الذهب يختبر 4500 دولار.. الفيدرالي والشرق الأوسط يحددان اتجاه المعدن

يتحرك الذهب في منطقة حساسة قرب 4400 دولار للأوقية، وسط صراع واضح بين عاملين متناقضين؛ أولهما تراجع توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية بعد صدور بيانات اقتصادية أضعف من المتوقع، وثانيهما ارتفاع عوائد سندات الخزانة وتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وبلغ سعر الذهب الفوري نحو 4391 دولارًا للأوقية في أحدث تعاملات السوق، بينما سجلت العقود الآجلة نحو 4447 دولارًا، في وقت يترقب فيه المستثمرون محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لشهر يوليو، بحثًا عن إشارات جديدة بشأن مسار أسعار الفائدة.
الذهب أمام اختبار 4500 دولار
نجح الذهب خلال أغسطس في استعادة جزء كبير من خسائره السابقة، بعدما ارتفع بنحو 9% خلال الشهر ليقترب من مستوى 4400 دولار، مستفيدًا من ضعف الدولار وتراجع توقعات رفع الفائدة، إلى جانب عودة الطلب على الملاذات الآمنة.
لكن الوصول إلى مستوى 4500 دولار لن يكون سهلًا، إذ يواجه المعدن مقاومة فنية مهمة قرب 4504 دولارات، وهو مستوى المتوسط المتحرك لـ200 يوم، ما يجعل تجاوزه نقطة فاصلة في تحديد قدرة الذهب على مواصلة موجة التعافي.
ويرى محللون أن استمرار التداول أعلى هذه المنطقة قد يفتح المجال أمام استهداف مستويات أعلى، بينما يؤدي الفشل في تجاوزها إلى عودة الضغوط وجني الأرباح.
بيانات أمريكا تعيد تشكيل توقعات الفيدرالي
تأتي قوة الذهب الأخيرة في وقت تراجعت فيه رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة الأمريكية خلال سبتمبر، بعدما أظهرت بيانات يوليو ضعفًا في سوق العمل، وتباطؤًا في التضخم، وضعفًا في مبيعات التجزئة.
وأدت هذه البيانات إلى تحول واضح في توقعات السياسة النقدية، مع ارتفاع احتمالات إبقاء الفيدرالي على أسعار الفائدة دون تغيير في سبتمبر إلى نحو 65% وفق أحدث تسعير للسوق.
ويستفيد الذهب عادة من انخفاض توقعات الفائدة؛ لأن المعدن لا يدر عائدًا، وبالتالي تصبح تكلفة الاحتفاظ به أقل عندما تتراجع العوائد المتوقعة على الأصول المنافسة.
محضر الفيدرالي.. المحرك الأهم للذهب
تتجه أنظار المستثمرين إلى محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقرر صدوره الأربعاء، باعتباره الاختبار التالي لتوقعات السياسة النقدية.
وسيركز المستثمرون على أي إشارات بشأن رؤية أعضاء اللجنة للتضخم وسوق العمل والنمو، ومدى استعدادهم لتغيير موقف السياسة النقدية خلال الاجتماعات المقبلة.
وتعني لهجة أكثر ميلًا إلى التيسير النقدي دعمًا إضافيًا للذهب، بينما قد تؤدي الإشارات المتشددة إلى ارتفاع الدولار والعوائد، وبالتالي زيادة الضغوط على المعدن.
عوائد السندات تقاوم صعود الذهب
رغم تراجع رهانات رفع الفائدة، يواجه الذهب عامل ضغط قويًا يتمثل في ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
وارتفع عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى له منذ ما يقرب من عقدين، في ظل مخاوف المستثمرين من ارتفاع الإنفاق الحكومي وزيادة إصدارات الديون طويلة الأجل واستمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم.
وعادة ما تشكل العوائد المرتفعة ضغطًا على الذهب، لأنها تزيد جاذبية الأصول التي تحقق دخلًا ثابتًا مقارنة بمعدن لا يقدم عائدًا دوريًا.
لكن المفارقة الحالية أن ارتفاع العوائد نفسه يعكس مخاوف أوسع بشأن الديون الأمريكية والاستقرار المالي، وهو ما يمكن أن يعزز الطلب على الذهب كأداة للتحوط.
الشرق الأوسط يعيد الذهب إلى دائرة الملاذ الآمن
في المقابل، لا يزال العامل الجيوسياسي يوفر دعمًا للمعدن النفيس.
وتزايدت التوترات في الشرق الأوسط مع استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما ساهم في دعم الطلب على الأصول الآمنة.
ويمثل ارتفاع أسعار الطاقة خطرًا مزدوجًا على الأسواق؛ فهو يدعم الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، لكنه في الوقت نفسه قد يعيد إشعال التضخم، بما يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسته النقدية المشددة لفترة أطول.
وهنا تحديدًا يكمن أحد أهم التناقضات التي تحكم حركة الذهب خلال المرحلة الحالية.
الصين والبنوك المركزية يدعمان الطلب
ولا يقتصر دعم الذهب على عوامل الفائدة والمخاطر الجيوسياسية، إذ تشير تحركات السوق إلى استمرار اهتمام المؤسسات والبنوك المركزية بالمعدن.
وأفادت تقارير بأن مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب عودة الطلب المؤسسي في الأسواق الآسيوية، ساعدت الذهب على استعادة مستويات أعلى من 4000 دولار خلال أغسطس.
وتظل الصين من أبرز مصادر الطلب على الذهب، مع استمرار مشتريات المؤسسات والمستثمرين، بما يدعم الأسعار في وقت يحاول فيه المعدن بناء قاعدة سعرية جديدة بعد هبوطه الحاد خلال النصف الأول من العام.
الذهب أمام سيناريوهين
يقف الذهب حاليًا أمام سيناريوهين رئيسيين.
الأول هو استمرار ضعف البيانات الأمريكية وتراجع توقعات رفع الفائدة، بالتزامن مع بقاء المخاطر الجيوسياسية مرتفعة. وفي هذه الحالة قد يحاول الذهب تجاوز منطقة 4440–4450 دولارًا، ثم اختبار مستوى 4500 دولار.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار ارتفاع عوائد السندات وعودة المخاوف التضخمية بسبب أسعار الطاقة، بالتزامن مع ظهور لهجة متشددة من الفيدرالي. وقد يدفع ذلك الذهب إلى اختبار مستويات الدعم القريبة.
وبحسب تحليل فني أوردته رويترز، فإن مستوى 4381 دولارًا يمثل دعمًا مهمًا على المدى القريب، بينما قد يفتح كسره الطريق أمام نطاق بين 4320 و4351 دولارًا.
الفضة والبلاتين في المشهد
ولم يقتصر التحرك على الذهب، إذ سجلت الفضة نحو 65.11 دولارًا للأوقية في أحدث البيانات، بينما بلغ البلاتين نحو 1748.56 دولارًا، مع تعرض المعادن النفيسة لضغوط في ظل ارتفاع العوائد وأسعار النفط.
وتعكس حركة المعادن مجتمعة حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق، مع استمرار المستثمرين في مراقبة الدولار والعوائد والسياسة النقدية والتطورات الجيوسياسية في وقت واحد.
هل يفتح الذهب الطريق إلى 5000 دولار؟
المستوى الفاصل الآن هو قدرة الذهب على اختراق مقاومة 4440–4450 دولارًا ثم تجاوز المتوسط المتحرك لـ200 يوم قرب 4504 دولارات.
ويشير تجاوز هاتين المنطقتين بصورة مستدامة إلى تحسن الصورة الفنية، وقد يعزز فرص تحرك الذهب باتجاه 5000 دولار للأوقية على المدى الأوسع، بحسب التحليل الذي نقله التقرير عن محللين بالسوق.
لكن الطريق إلى هذا المستوى لن يكون مستقيمًا، خصوصًا مع ارتفاع العوائد واحتمالات عودة التضخم للواجهة إذا استمرت أسعار النفط في الصعود.









