201 طن في شهر واحد.. بنك سوسيتيه جنرال يكشف سر صمود الذهب في 2026

كشفت تحليلات بنك سوسيتيه جنرال أن الذهب يدخل مرحلة جديدة من الصعود خلال 2026، مدعومًا بتراكم الطلب من عدة قنوات استثمارية، وليس فقط بالمضاربات قصيرة الأجل.
وقال محللو البنك مايكل هايغ وجيريمي سيليم إن السوق يشهد تحولًا نحو قناعة هيكلية واسعة بالذهب، تشمل المستثمرين الأفراد ومديري الأموال المحترفين ومتداولي العقود الآجلة والخيارات.
وتبرز قوة هذا الاتجاه في تدفقات صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب، التي سجلت في أغسطس صافي تدفقات بلغ 201 طن، لتسجل ثالث أكبر زيادة شهرية في تاريخها.
صناديق الذهب تسجل ثالث أكبر تدفق شهري تاريخيًا
أوضح محللو سوسيتيه جنرال أن تدفقات أغسطس جاءت بعد زيادات شهرية استثنائية شهدتها الأسواق خلال أزمات عالمية كبرى.
وجاءت الزيادة الأخيرة بعد تدفقات فبراير 2009، خلال حزمة التحفيز التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، ومارس 2020، مع بداية الإغلاق العالمي بسبب جائحة كورونا.
كما تجاوزت تدفقات أغسطس المستويات المسجلة في مارس 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي سبتمبر 2012 بعد إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي برنامج التيسير الكمي الثالث.
وتعكس هذه البيانات اتساع قاعدة الطلب على الذهب، بدلًا من اعتماد حركة الأسعار على فئة واحدة من المستثمرين.
مراكز مديري الأموال عند مستويات تاريخية
ولم تقتصر مؤشرات القوة على صناديق الاستثمار المتداولة، إذ أشار سوسيتيه جنرال إلى أن صافي مراكز مديري الأموال في الذهب، من حيث قيمة التعرض الاسمية، وصل إلى ثاني أكبر مستوى طويل على الإطلاق.
وسجل أعلى مستوى سابق في يناير 2026، عندما تجاوز سعر الذهب 5400 دولار للأوقية وسجل أعلى مستوى تاريخي له، وفق التحليل.
ويرى البنك أن استمرار حجم التعرض المرتفع، رغم تراجع سعر الذهب بنحو 1000 دولار عن تلك المستويات، يشير إلى أن الرهان على المعدن لم يعد مجرد رهان على استمرار الزخم السعري.
خيارات الشراء تكشف تغيرًا في شهية المستثمرين
ويرى محللو سوسيتيه جنرال أن سلوك سوق الخيارات يعكس تحولًا مهمًا في استراتيجية المستثمرين.
ففي الوقت الذي يستخدم فيه المستثمرون خيارات البيع للتحوط من مخاطر التقلبات قصيرة الأجل، يواصلون بناء انكشافهم على خيارات الشراء طويلة الأجل.
ويعني ذلك أن المستثمرين يتعاملون مع المخاطر القريبة بحذر، لكنهم في الوقت نفسه يحتفظون برؤية إيجابية تجاه الذهب على المدى المتوسط.
سوسيتيه جنرال يعود للتفاؤل بالذهب
وكان محللو سوسيتيه جنرال قد خفضوا مراكزهم في الذهب خلال النصف الأول من العام، قبل أن يروا أن المعدن أصبح جذابًا مجددًا بعد التصحيح الحاد الذي تعرض له.
وأشار البنك إلى أن الذهب تعافى مؤخرًا واقترب من مستوى 4500 دولار للأوقية، بعد موجة تصحيح ارتبطت بالصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني وتزايد توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، عادت تقلبات الذهب إلى مستويات أكثر طبيعية، بينما تجاوز حجم المضاربات متوسطه خلال عامين.
كما تراجعت نسبة خيارات البيع إلى الشراء لصندوق الذهب «جي إل دي» إلى أدنى مستوى لها في ستة أشهر، في إشارة إلى تحسن معنويات المستثمرين تجاه المعدن.
الفائدة والدولار.. أكبر العقبات أمام الذهب
ولا يزال الذهب يواجه ضغوطًا من ارتفاع أسعار الفائدة وقوة الدولار الأمريكي.
لكن سوسيتيه جنرال يرى أن جزءًا كبيرًا من إعادة تسعير السياسة النقدية الأمريكية نحو التشديد أصبح منعكسًا بالفعل في الأسواق المالية.
ويرى البنك أن هذا التطور قلل من مخاطر حدوث موجة هبوط جديدة وعنيفة في الذهب، ما لم تظهر صدمة تضخمية أكبر أو يتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى استجابة أكثر حدة.
وقال محللو البنك إن الأمر يحتاج إلى صدمة تضخمية أكبر بكثير واستجابة أكثر حزمًا من الاحتياطي الفيدرالي لإحداث إعادة تسعير جوهرية جديدة في أسعار الفائدة.
البنوك المركزية تصبح الركيزة الأساسية للذهب
ويتمثل التطور الأهم، وفق رؤية سوسيتيه جنرال، في تغير طبيعة الطلب على الذهب.
فحتى مع تراجع الطلب المضاربي، تستمر مشتريات القطاع الرسمي، وعلى رأسه البنوك المركزية، في توفير دعم هيكلي للسوق.
وتواصل الصين زيادة احتياطياتها من الذهب، بينما يمثل تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن أصول الاحتياطي التقليدية توجهًا مستمرًا لدى العديد من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة.
وقال محللو البنك إن البنوك المركزية أصبحت بصورة متزايدة الركيزة الأساسية لسوق الذهب، مع تراجع الاعتماد على الطلب المضاربي قصير الأجل.
التضخم والديون والذكاء الاصطناعي تدعم الذهب
وترى سوسيتيه جنرال أن مخاطر التضخم قد تكون أقل من تقديرات الأسواق حاليًا.
ويربط البنك ذلك بعدة عوامل، من بينها موجة جديدة محتملة من التعريفات الأمريكية، وتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، وتقلب أسعار الطاقة، واستمرار العجز المالي المرتفع في الاقتصادات المتقدمة.
وتضيف هذه العوامل ضغوطًا محتملة على الأسعار في الوقت الذي تواجه فيه الحكومات والشركات احتياجات تمويل ضخمة.
كما أن المخاوف المرتبطة بالدين السيادي الأمريكي أصبحت أحد العوامل التي تدعم جاذبية الذهب باعتباره أصلًا ملموسًا لا يرتبط بالتزامات جهة مصدرة.
الفيدرالي أمام اختبار صعب
ومنذ منتصف العام الماضي، تحولت توقعات الأسواق من تسعير مزيد من التيسير النقدي إلى مناقشة إمكانية رفع أسعار الفائدة مرة أو مرتين إضافيتين.
ودفع هذا التحول عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين إلى ما فوق 4%، كما قدم دعمًا للدولار.
ورغم ذلك، يرى البنك أن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مواصلة التشديد بقوة قد تكون محدودة، خصوصًا إذا ظهرت ضغوط جديدة على سوق العمل أو النشاط الاقتصادي.
ويتوقع خبراء اقتصاد سوسيتيه جنرال، وفق السيناريو الأساسي، بقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى عام 2027، مع احتمال رفعها مرة واحدة خلال العام إذا استمر التضخم عند مستويات مرتفعة.
ويرى البنك أن رفع الفائدة في سبتمبر أو ديسمبر أكثر ترجيحًا من رفعها في أكتوبر.
لماذا يرى البنك أن مخاطر هبوط الذهب تتراجع؟
تستند رؤية سوسيتيه جنرال إلى معادلة مختلفة عن العلاقة التقليدية بين الذهب والفائدة.
فالمعدن لم يعد يتحرك فقط وفق توقعات الفائدة الحقيقية أو الدولار، بل أصبح يستفيد من عوامل هيكلية أكثر قوة.
وتشمل هذه العوامل مشتريات البنوك المركزية، وتنويع الاحتياطيات، والمخاوف الجيوسياسية، والقلق بشأن الديون السيادية، إضافة إلى الطلب الاستثماري عبر صناديق الذهب والمشتقات.
ويشير البنك إلى أن استمرار الذهب قرب مستويات قياسية مرتفعة رغم بقاء العوائد الحقيقية إيجابية يمثل تغيرًا واضحًا عن النماذج التاريخية التقليدية.
الذهب أمام مرحلة جديدة
وتخلص رؤية سوسيتيه جنرال إلى أن سوق الذهب في 2026 أصبح أكثر تنوعًا من حيث مصادر الطلب.
فالتدفقات الضخمة إلى صناديق الذهب، وارتفاع مراكز مديري الأموال، وزيادة الاهتمام بالخيارات طويلة الأجل، إلى جانب مشتريات البنوك المركزية، تشكل شبكة دعم متعددة للمعدن.
وبالتالي، فإن تراجع الذهب لم يعد بالضرورة يعني انتهاء الاتجاه الصاعد، وإنما قد يتحول إلى فرصة لإعادة بناء المراكز إذا ظلت العوامل الهيكلية الداعمة قائمة.
وتبقى الفائدة الأمريكية والدولار أكبر المخاطر قصيرة الأجل، لكن سوسيتيه جنرال ترى أن الأسواق استوعبت بالفعل جزءًا كبيرًا من السيناريو المتشدد.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأهم في تحليل البنك هي أن معركة الذهب خلال 2026 لم تعد بين «المضاربين» و«الدولار» فقط، وإنما أصبحت بين منظومة طلب استراتيجية واسعة من جهة، وسياسة نقدية تحاول كبح التضخم من جهة أخرى.









