شهادات البنوك تحت الضغط؟ سند المواطن بعائد 17.75% يجذب مدخرات المصريين

يشهد سوق الادخار المحلي في مصر تطوراً لافتاً مع تزايد الحديث عن إطلاق سند المواطن كأداة تمويل سيادية تستهدف جذب مدخرات الأفراد بشكل مباشر، في وقت تواصل فيه البنوك تعزيز جاذبية شهادات الادخار التقليدية بعوائد تنافسية.
هذا التزامن يطرح تساؤلات مهمة حول شكل العلاقة بين الأداتين، وما إذا كانت السوق تتجه نحو منافسة على فوائض السيولة لدى الأسر أم نحو تكامل يوسع قاعدة التمويل المحلي.
وتأتي هذه التحركات في ظل سعي الحكومة لتنويع مصادر التمويل وتعميق مشاركة المواطنين في أدوات الدين العام، مقابل تمسك شريحة واسعة من المدخرين بالأوعية المصرفية التي تتمتع بدرجة عالية من الأمان والسيولة. وبين هذا وذاك، يظل العامل الحاسم هو قدرة كل أداة على تحقيق عائد حقيقي جاذب، مع الحفاظ على ثقة المواطن وسهولة الوصول والتسييل، في بيئة اقتصادية تتسم بسرعة التغير.
وقال الدكتور محمد سيد الخبير المصرفي إنه في ظل تسارع جهود الحكومة لإعادة هيكلة المالية العامة والبحث عن أدوات تمويل أكثر تنوعاً ومرونة، برزت فكرة سند المواطن كآلية تستهدف توجيه مدخرات الأفراد مباشرة لدعم المشروعات التنموية وسد الفجوات التمويلية. وفي المقابل، يواصل القطاع المصرفي، من خلال مؤسسات كبرى مثل البنك الأهلي المصري وبنك مصر، وتحت إشراف البنك المركزي المصري، طرح شهادات ادخار بعوائد تنافسية تحافظ على جاذبيتها كخيار آمن للمدخرين.
وأوضح أن التساؤل المطروح حالياً يتمثل في ما إذا كان سند المواطن سيخلق منافسة مباشرة مع الشهادات المصرفية على فوائض السيولة لدى الأسر، أم أنه سيمثل أداة مكملة تختلف في الفلسفة وتتقاطع في الهدف.
فشهادات الادخار تقوم على علاقة تعاقدية واضحة بين العميل والبنك، بعائد محدد ودورية صرف منتظمة، إلى جانب قدر من السيولة وإمكانية الاقتراض بضمانها، ما رسّخ مكانتها كوعاء ادخاري تقليدي ومستقر.
أما سند المواطن فهو أداة دين سيادية تصدر عبر وزارة المالية، ويعكس توجهاً لإشراك الأفراد في تمويل احتياجات الدولة أو مشروعات بعينها، بما يمنح الادخار بعدًا استثماريًا وتنمويًا.
وأكد أن معيار الحسم لن يكون سعر الفائدة الاسمي فقط، بل العائد الحقيقي بعد احتساب التضخم، إضافة إلى عناصر الثقة وسهولة التسييل وبساطة الإجراءات، خاصة إذا ارتبط التداول بآليات سوق المال مثل البورصة المصرية.
وأشار إلى أن سند المواطن لا يمثل تهديداً مباشراً للقطاع المصرفي، بل قد يكون مكملاً له، لا سيما إذا شاركت البنوك في تسويقه أو إدارة الاكتتاب فيه. ولفت إلى أن الأثر الإيجابي سيتحقق إذا استقطب السند مدخرات خارج الجهاز المصرفي أو سيولة كانت تتجه إلى الذهب والعملات الأجنبية، بينما لن يضيف قيمة حقيقية إذا اقتصر الأمر على تحويل أموال من شهادات قائمة إليه.
وذكر بأن نجاح التجربة مرهون بتسعير عادل، وشفافية في توجيه الحصيلة، وآلية تسييل مرنة تمنح المواطن شعوراً بالأمان، مؤكداً أن المنافسة – إن حدثت – ستكون في صالح الاقتصاد عبر تنويع مصادر التمويل وتعزيز الثقافة الاستثمارية، وأن الرهان الحقيقي يظل على كسب ثقة المواطن والحفاظ على قوته الشرائية.
ومن جانبها قالت سهر الدماطي نائبة رئيس بنك مصر سابقاً إن سند المواطن لا يعد منافساً مباشراً لشهادات البنوك، موضحة أن تقييمه يتطلب النظر إلى عدة عوامل، في مقدمتها مدة السند وحجم المبلغ المتاح للاستثمار، مؤكدة أن الطرح موجه أساساً لقطاع التجزئة وصغار المدخرين.
وأوضحت أن السند يستهدف شريحة من المواطنين لم تكن ممثلة بقوة ضمن الودائع المصرفية، خاصة سكان القرى والنجوع والمراكز، حيث يتمتع البريد المصري بانتشار أوسع من البنوك في تلك المناطق، ما يتيح الوصول إلى فئات قد لا تتمكن من استثمار أموالها لفترات أطول عبر القنوات المصرفية التقليدية.
وفي المقارنة مع السوق المصرفي، أشارت إلى أن البنوك تمتلك قاعدة ودائع وشهادات تتراوح بين 10 و11 تريليون جنيه، تبلغ حصة الأفراد منها نحو 7 تريليونات جنيه، لافتة إلى أن البنوك تطرح عادة شهادات بأجل ثلاث سنوات، بينما يمتد أجل سند المواطن إلى عام ونصف فقط.
وأضافت أن أسعار الفائدة بالبنوك تراجعت مؤخراً مع انخفاض معدلات التضخم لتتراوح بين 15% و16.5%، معتبرة أن العائد الذي يقدمه السند، والبالغ نحو 17.75%، يعد جيدًا جدًا، خاصة أنه يبدأ من 10 آلاف جنيه، ما يجعله مختلفًا عن الودائع الكبيرة التقليدية.
واستبعدت أن يؤثر طرح السند على السيولة المصرفية أو على سوق الأسهم، موضحة أن البنوك تتمتع بفائض سيولة ملحوظ، إذ تقابل ودائع بقيمة 10 إلى 11 تريليون جنيه تسهيلات ائتمانية تتراوح بين 5 و5.5 تريليون جنيه فقط.
وأكدت أنه حتى مع انتقال مبالغ كبيرة – افتراضاً بين 2 و3 تريليونات جنيه – إلى هذه السندات، فإن الفجوة تظل واسعة بما يمنع حدوث ضغط سلبي على السيولة.
كما لفتت إلى توجه وزارة المالية لطرح السندات للمصريين في الخارج عبر الأنظمة الرقمية، في خطوة قد تسهم في جذب جزء من تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي تتراوح سنوياً بين 35 و38 مليار دولار، متوقعة أن يشكل ذلك دعماً إضافياً للعملة الأجنبية إلى جانب موارد التصدير والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر.





