8 وكلاء ذكاء اصطناعي في هجوم واحد.. إنذار جديد للبنوك

كشف هجوم سيبراني استهدف جهات حكومية وشركات في تايوان عن تطور جديد في أدوات الجرائم الإلكترونية، بعدما استخدم مهاجمون يُشتبه في ارتباطهم بالصين مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين لتنفيذ عمليات اختراق وجمع بيانات، في واقعة تفتح جبهة جديدة أمام البنوك والمؤسسات المالية حول العالم.

وبحسب المعلومات الواردة في تقارير متخصصة، استخدم المهاجمون ما يصل إلى 8 وكلاء مستقلين للذكاء الاصطناعي، وتمكنوا خلال الهجوم من اختراق ما لا يقل عن 85 حسابًا لمستخدمين في الحكومة التايوانية، واستخراج آلاف السجلات الخاصة بالموظفين، قبل توسيع نطاق الاستهداف ليشمل هيئة السلامة النووية في تايوان وما لا يقل عن 7 شركات للطاقة.

لماذا يجب أن تقلق البنوك؟

تكمن خطورة التطور الجديد في أن وكيل الذكاء الاصطناعي لا يعمل بالضرورة كأداة تقليدية تنتظر تنفيذ كل أمر من المستخدم، بل يمكنه تنفيذ سلسلة من المهام بصورة شبه مستقلة، والبحث عن أهداف جديدة، وتحليل البيانات، واتخاذ خطوات متتابعة لتحقيق هدف الهجوم.

وهذا يرفع مستوى المخاطر أمام البنوك، التي تتعامل يوميًا مع ملايين عمليات الدخول والتحويلات والاستعلامات الرقمية، وتستخدم في الوقت نفسه تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير الخدمات المصرفية وتحسين تجربة العملاء.

البنك أمام تحدٍ جديد.. من العميل ومن الآلة؟

يرى خبراء الأمن السيبراني أن المؤسسات المالية ستواجه حاجة متزايدة إلى التمييز في الوقت الفعلي بين المستخدم البشري، ووكلاء الذكاء الاصطناعي الشرعيين الذين يعملون نيابة عن العملاء، والأنظمة الخبيثة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتنفيذ هجمات آلية.

وهذه المسألة قد تصبح أكثر تعقيدًا مع انتشار الوكلاء القادرين على تنفيذ مهام مصرفية نيابة عن العملاء، مثل البحث عن المنتجات المالية أو تحليل الإنفاق أو تنفيذ تعليمات محددة داخل التطبيقات المصرفية.

فالخطر لا يتمثل فقط في اكتشاف برنامج ضار، وإنما في تحديد ما إذا كان السلوك الرقمي نفسه طبيعيًا أم صادرًا عن نظام ذكي يحاول استغلال صلاحيات مستخدم شرعي.

سرعة الآلة تغيّر قواعد الهجوم

في الهجمات الإلكترونية التقليدية، يحتاج المهاجم غالبًا إلى تنفيذ سلسلة طويلة من الخطوات بصورة مباشرة، بينما يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي تسريع بعض هذه العمليات عبر تحليل كميات كبيرة من المعلومات وتنفيذ مهام متتابعة.

وهذا يعني أن البنك الذي يعتمد على أدوات دفاع مصممة لرصد الأنماط التقليدية قد يواجه تحديًا جديدًا عندما يصبح الهجوم قادرًا على تغيير أسلوبه بصورة أسرع من قدرة أنظمة الحماية التقليدية على الاستجابة.

كما أن استخدام عدة وكلاء في الهجوم الواحد يمكن أن يتيح تقسيم المهام بين أنظمة مختلفة، بما يزيد من تعقيد عملية اكتشاف الهجوم وتتبع مصدره.

الحسابات المصرفية في دائرة الخطر

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للقطاع المصرفي؛ لأن اختراق حساب واحد قد لا يكون الهدف النهائي للمهاجم.

فالحساب المخترق يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق للوصول إلى بيانات أخرى أو أنظمة داخلية أو حسابات مرتبطة، خصوصًا إذا كانت صلاحيات المستخدم واسعة أو إذا نجح المهاجم في الاستفادة من بيانات الدخول المسروقة.

ولهذا تتجه الحماية الحديثة إلى تحليل السلوك الرقمي للمستخدم، وليس فقط التأكد من صحة كلمة المرور أو رمز الدخول.

 الذكاء الاصطناعي يفرض تعريفًا جديدًا للعميل

الخبر الأهم مصرفيًا هنا ليس أن قراصنة استخدموا 8 وكلاء ذكاء اصطناعي، وإنما أن البنك قد يضطر قريبًا إلى إعادة تعريف مفهوم «المستخدم» داخل منظومته الرقمية.

فالمستخدم لم يعد بالضرورة شخصًا يجلس أمام الهاتف وينفذ العملية خطوة بخطوة. قد يكون وراء الطلب وكيل ذكاء اصطناعي يعمل بتفويض من العميل، وقد يكون في المقابل نظامًا خبيثًا يحاول تقليد هذا السلوك.

ومن هنا، فإن المعركة المقبلة في الأمن المصرفي لن تكون فقط بين بنك و«هاكر»، وإنما بين أنظمة ذكاء اصطناعي دفاعية وأخرى هجومية، مع ضرورة امتلاك البنك القدرة على التمييز بين السلوك المشروع والسلوك الخبيث في أجزاء من الثانية.

من تايوان إلى القطاع المالي

الهجوم على الجهات التايوانية يمثل نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن تواجهه قطاعات أخرى إذا أصبحت الأدوات ذاتية التشغيل متاحة على نطاق أوسع للمجرمين الإلكترونيين.

وبالنسبة للبنوك، فإن الاستجابة لا تقتصر على تطوير برامج مكافحة الاختراق، وإنما تشمل إعادة اختبار أنظمة إدارة الهوية والصلاحيات، ومراقبة سلوك الحسابات، وتعزيز أنظمة كشف الاحتيال، وتحديد الحدود التي يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الشرعيين العمل داخلها.

كما سيكون من الضروري تطوير قواعد واضحة للتعامل مع الوكلاء الذين ينفذون تعليمات العملاء، بحيث لا تتحول سهولة استخدام الخدمات المصرفية بالذكاء الاصطناعي إلى منفذ جديد للاحتيال أو سرقة البيانات.

الذكاء الاصطناعي.. سلاح ذو حدين

وفي الوقت الذي تستثمر فيه البنوك بكثافة في الذكاء الاصطناعي لتطوير الخدمات المصرفية وتحسين إدارة المخاطر واكتشاف الاحتيال، تكشف التطورات الأخيرة أن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تصبح أداة في يد المهاجمين.

وهذا يفرض على القطاع المالي التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءًا من منظومة الأمن السيبراني، وليس مجرد تقنية لتحسين الخدمات.

والبنك الأكثر استعدادًا للمرحلة المقبلة لن يكون بالضرورة صاحب أقوى جدار حماية فقط، وإنما المؤسسة القادرة على فهم سلوك الآلة، وتحديد هويتها، ومنحها الصلاحيات المناسبة، ووقفها قبل أن تتحول قدرتها على العمل بصورة مستقلة إلى خطر على أموال العملاء وبياناتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى