رامي زهدي  يكتب :« من برنيس إلى دوالا »

كيف تعيد مصر رسم خريطة التجارة الإفريقية وتستعيد عمقها الاستراتيجي؟

قبل سنوات كان الحديث عن العلاقات المصرية الإفريقية يتركز في الغالب حول الملفات السياسية والأمنية وقضايا المياه، أما اليوم فإن المشهد يتغير بصورة واضحة نحو بناء شراكات اقتصادية حقيقية تقوم على البنية التحتية والممرات اللوجستية وسلاسل الإمداد، وهو التحول الذي يعكس إدراكا مصريا متزايدا بأن النفوذ في إفريقيا خلال العقود المقبلة لن يصنعه الخطاب السياسي وحده، وإنما ستصنعه الطرق والموانئ والمناطق اللوجستية وخطوط النقل والتجارة.

ومن هذا المنطلق، فإن تدشين أول ممر لوجستي يربط ميناء برنيس المصري بمدينة دوالا الكاميرونية عبر السودان وتشاد لا يمثل مجرد مشروع نقل جديد، بل يعد تحولا استراتيجيا في فلسفة الحضور المصري داخل القارة، إذ ينتقل من مرحلة التواصل الدبلوماسي إلى مرحلة صناعة المصالح الاقتصادية المشتركة، بما يعزز مكانة مصر كبوابة رئيسية بين البحر الأحمر ووسط وغرب إفريقيا.

يأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أوسع لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وربط البحرين الأحمر والمتوسط بالعمق الإفريقي عبر شبكة من الممرات اللوجستية المتكاملة.

واختيار ميناء برنيس تحديدا ليس اختيارا عشوائيا، فالميناء الذي يقع على البحر الأحمر يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية المصرية، ويتيح منفذا مباشرا نحو شرق إفريقيا والمحيط الهندي، بينما تمثل مدينة دوالا أكبر بوابة بحرية لدول وسط إفريقيا، حيث تخدم الكاميرون وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وأجزاء من الكونغو، وهو ما يجعل الربط بين المدينتين يخلق ممرا اقتصاديا جديدا يختصر الوقت والتكلفة ويرفع من كفاءة حركة البضائع بين مصر والقارة.

والأهمية الحقيقية للمشروع لا تكمن في النقل فقط، وإنما في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للقارة، فالدول الحبيسة مثل تشاد وإفريقيا الوسطى تعتمد بصورة كبيرة على الموانئ الخارجية، وبالتالي فإن أي ممر آمن ومستقر ومنخفض التكلفة سيغير خريطة التجارة والاستثمار فيها، وهو ما يمنح مصر فرصة تاريخية لتصبح الشريك اللوجستي الأول لهذه الأسواق.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا المشروع يعكس تطورا مهما في مفهوم الأمن القومي المصري، إذ لم يعد الأمن القومي يقتصر على حماية الحدود، وإنما أصبح يرتبط أيضا بحماية المصالح الاقتصادية وتأمين سلاسل الإمداد وخلق الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع دول الجوار الإفريقي، فكلما زادت المصالح المشتركة أصبحت العلاقات أكثر استقرارا وأقل عرضة للتقلبات السياسية.

كما أن هذا الممر يمثل ترجمة عملية لأهداف اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي ما زالت تعاني من ضعف الربط اللوجستي رغم أنها تضم سوقا يزيد عدد سكانها على 1.5 مليار نسمة، حيث تشير تقديرات المؤسسات الإفريقية إلى أن ضعف البنية التحتية للنقل يمثل أحد أكبر معوقات التجارة البينية داخل القارة، التي لا تزال أقل بكثير من مستوياتها في أوروبا وآسيا. وبالتالي فإن الاستثمار في الممرات اللوجستية يعد شرطا أساسيا لتحقيق التكامل الاقتصادي الإفريقي.

 

لكن نجاح هذا المشروع يتطلب رؤية أشمل تتجاوز إنشاء الطريق أو تشغيله، فمن الضروري إنشاء مناطق لوجستية مصرية داخل تشاد والكاميرون، ومستودعات للتخزين، ومراكز للتوزيع، وربط الممر بمنظومة النقل متعدد الوسائط، مع توفير حلول تمويلية وضمانية للمصدرين المصريين، حتى لا يتحول الممر إلى مجرد طريق تستخدمه بضائع الآخرين.

كما ينبغي استغلال هذا الممر في دعم الصادرات المصرية ذات القيمة المضافة، خاصة الصناعات الهندسية ومواد البناء والدواء والأسمدة والأجهزة الكهربائية والمنتجات الغذائية، وهي قطاعات تمتلك فيها مصر ميزات تنافسية حقيقية داخل الأسواق الإفريقية.

ومن المهم أيضا أن يتكامل هذا الممر مع المبادرات المصرية الأخرى، مثل مشروع طريق القاهرة – كيب تاون، والممرات اللوجستية الدولية التي تنفذها الدولة، بحيث تصبح جميعها أجزاء من شبكة واحدة تربط الموانئ المصرية بالأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، وهو ما يتسق مع رؤية الدولة لتحويل مصر إلى مركز عالمي للتجارة واللوجستيات.

وفي تقديري، فإن الخطوة التالية يجب ألا تكون فقط نقل البضائع، بل نقل الاستثمار أيضا، وذلك من خلال تشجيع القطاع الخاص المصري على إنشاء مناطق صناعية ومراكز تجميع في دول الممر، بما يسمح بإعادة التصدير إلى الأسواق المجاورة، ويحول الوجود المصري من وجود تجاري إلى وجود إنتاجي طويل الأجل.

اعتادت القوى الكبرى أن تستخدم الممرات الاقتصادية كأدوات للنفوذ، واليوم تمتلك مصر فرصة حقيقية لتقديم نموذج مختلف يقوم على الشراكة والتنمية وتحقيق المصالح المشتركة، بعيدا عن سياسات الهيمنة أو استنزاف الموارد،والممر اللوجستي بين برنيس ودوالا ليس مجرد مشروع للنقل، بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في العلاقات المصرية الإفريقية، مرحلة يصبح فيها الاقتصاد هو اللغة المشتركة، والبنية التحتية هي أداة التقارب، والاستثمار هو الضامن لاستدامة العلاقات. وإذا نجحت مصر في استكمال هذه الرؤية وربطها باستراتيجية شاملة للتصنيع والتصدير والاستثمار، فإنها لن تستعيد فقط دورها التاريخي في إفريقيا، بل ستؤسس لدور جديد أكثر تأثيرا واستدامة، يجعلها بوابة القارة إلى العالم، وبوابة العالم إلى إفريقيا.

رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى