البنوك الأوروبية والآسيوية والخليجية تتخلي عن السحابة الأمريكية لتعزيز السيادة الرقمية

تسارع عدد متزايد من البنوك الأوروبية والآسيوية والخليجية في التخلي على اعتمادها على مزودي الخدمات السحابية الأمريكيين، في خطوة تهدف إلى تعزيز السيادة الرقمية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية العالمية.

جاء هذا التوجه بعد تصاعد المخاوف من تأثير النزاعات الدولية على البنية التحتية الرقمية التي تعتمد عليها المؤسسات المالية، خاصة في ظل اعتماد واسع على خدمات الحوسبة السحابية التي تقدمها شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل Amazon Web Services وGoogle Cloud وMicrosoft Azure.

وفق تقرير نشرته مجلة The Banker في قسم التقنيات الناشئة، فإن البنوك في عدة مناطق بدأت بالفعل دراسة إنشاء “شبكة سحابية منفصلة” تربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، بهدف تقليل الاعتماد على مزودي التكنولوجيا الأمريكيين وتأمين البيانات المالية الحساسة.

تأتي هذه التحركات مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، إضافة إلى القلق من قوانين أمريكية مثل قانون CLOUD Act الذي يمنح السلطات الأمريكية إمكانية الوصول إلى بيانات مخزنة لدى شركات أمريكية حتى لو كانت موجودة خارج الولايات المتحدة.

ساهمت بعض الحوادث التقنية في تسريع هذا التحول، بعد تقارير عن هجمات إلكترونية استهدفت بنية تحتية سحابية في المنطقة، ما أدى إلى تعطّل خدمات مصرفية لفترات قصيرة.

تشير التقديرات إلى أن الشركات الأمريكية تسيطر حالياً على نحو 70% من سوق الحوسبة السحابية في أوروبا، بينما تعتمد ما يقرب من 80% من البنوك الخليجية على خدمات السحابة الأمريكية في إدارة بياناتها وعملياتها الرقمية.

في أوروبا، يجري العمل على تطوير مبادرات لتعزيز السيادة الرقمية، من بينها مشروع GAIA-X الذي يهدف إلى إنشاء منظومة سحابية أوروبية مستقلة، مع خطط لتنويع ما يصل إلى 50% من البنية السحابية للبنوك الأوروبية بحلول عام 2027.

تتجه بعض المؤسسات المالية الأوروبية إلى مزودي خدمات محليين مثل OVHcloud وDeutsche Telekom لتقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية.

أما في منطقة الخليج، فتدرس بنوك نقل جزء من بياناتها إلى مراكز بيانات في سنغافورة وأوروبا، مع زيادة الاعتماد على حلول سحابية محلية أو على مزودي خدمات آسيويين مثل Huawei.

وفي آسيا، تعمل دول مثل الهند وسنغافورة على بناء بنية سحابية وطنية بالتعاون مع شركات تكنولوجية إقليمية مثل Alibaba Cloud وTencent Cloud.

ورغم أن هذا التحول قد يعزز استقلالية الأنظمة الرقمية للمؤسسات المالية، إلا أن الخبراء يحذرون من تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع التكاليف بنسبة قد تصل إلى 30% مقارنة بالاعتماد على المنصات السحابية العالمية، إضافة إلى محدودية بعض الخدمات المتقدمة مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، يرى محللون أن التحول نحو بنية سحابية أكثر تنوعاً قد يفتح فرصاً كبيرة، خاصة في أوروبا حيث قد تصل قيمة سوق الحوسبة السحابية الأوروبية إلى نحو 100 مليار يورو خلال السنوات المقبلة مع نمو سنوي يقدر بنحو 25%.

تشير التقارير إلى أن عدة بنوك عالمية، من بينها HSBC، بدأت بالفعل اختبار بدائل سحابية جديدة بهدف خفض اعتمادها على الخدمات الأمريكية بنسبة تصل إلى 40% خلال السنوات القادمة.

يرى خبراء التكنولوجيا المالية أن هذا التحول يعكس مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية في البنية التحتية الرقمية العالمية، حيث لم تعد السحابة مجرد منصة تقنية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي والسيادة الرقمية للدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى