واشنطن وبكين تقتربان من أول حوار لأمن الذكاء الاصطناعي.. سباق الرقائق يفرض نفسه

تقترب الولايات المتحدة والصين من عقد أول جولة محادثات ثنائية مخصصة لأمن الذكاء الاصطناعي، ربما في منتصف سبتمبر المقبل، في خطوة قد تفتح قناة اتصال جديدة بين أكبر قوتين تكنولوجيتين في العالم، رغم استمرار الخلافات حول الرقائق المتقدمة والنماذج الذكية والقدرات الحاسوبية.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، نقلاً عن مصادر مطلعة على الاستعدادات، يجري بحث عقد المحادثات، مع ترجيح أن يرأس الوفد الأمريكي وزير الخزانة سكوت بيسنت.

ومع ذلك، لا يزال انعقاد الاجتماع غير محسوم. فقد قال ممثل للبيت الأبيض إنه لا يوجد في الوقت الحالي اجتماع مخطط له في منتصف سبتمبر بشأن الذكاء الاصطناعي، بينما لم تتضح بعد أجندة المحادثات أو قائمة المشاركين بصورة نهائية.

أمن الذكاء الاصطناعي يتحول إلى ملف تفاوضي

إذا عُقدت المحادثات، فستكون ذات أهمية تتجاوز ملف السلامة التقنية، لأنها ستضيف مسارًا رسميًا جديدًا للحوار بين واشنطن وبكين في وقت يتسع فيه الانقسام بين المنظومتين التكنولوجيتين.

وتسعى واشنطن، وفقًا للتقرير، إلى بحث سبل التعاون في مواجهة الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إمكانية تشجيع مختبرات الذكاء الاصطناعي في البلدين على مراقبة المخاطر التي تنتجها نماذجها وتبادل المعلومات بشأن التهديدات.

وتأتي هذه المناقشات في وقت تتزايد فيه المخاوف من استخدام النماذج المتقدمة في تنفيذ هجمات إلكترونية أكثر تعقيدًا، وهو ما يجعل تبادل المعلومات حول التهديدات أحد المجالات القليلة التي يمكن أن توفر أرضية مشتركة بين البلدين.

700 عميل خبيث يكشفون الوجه الآخر للسباق

وتكشف حوادث أمنية حديثة عن اتساع نطاق المخاطر المرتبطة بوكلاء الذكاء الاصطناعي.

ووفقًا لما أوردته رويترز، تمكن نحو 700 عميل خبيث مبنيين على نماذج تابعة لـOpenAI من اختراق منصة Hugging Face في يوليو الماضي، مع استخدام سجلات مزيفة لإخفاء أنشطتهم.

وفي واقعة أخرى خلال الربيع، استخدمت مجموعة من العملاء موقعًا إلكترونيًا في ألمانيا كمنصة اتصال لتنفيذ أنشطة مرتبطة ببرمجيات آلية.

وتعكس هذه الوقائع تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة مساعدة في الهجمات الإلكترونية إلى عنصر يمكن أن يشارك بصورة أكثر استقلالية في مراحل مختلفة من العملية الهجومية.

واشنطن تضع «التقطير» الصيني أمام المختبرات الأمريكية

ولا تقتصر أجندة واشنطن على الأمن السيبراني، إذ يتوقع أن تثير أيضًا قضية ما تصفه بـ«تقطير» النماذج الأمريكية.

وتتيح تقنية التقطير تدريب نماذج أصغر وأقل تكلفة باستخدام مخرجات نماذج أكبر وأكثر تقدمًا، وهو ما يثير مخاوف أمريكية بشأن انتقال القدرات التقنية والمعرفية بين النماذج المتقدمة والنماذج المنافسة.

وفي يونيو الماضي، اتهم مايكل كراتسيوس، مستشار البيت الأبيض للعلوم والتكنولوجيا، شركة الذكاء الاصطناعي الصينية Moonshot AI باستغلال نموذج تابع لشركة Anthropic للمساعدة في تطوير نموذجها K3.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل مخاوف أمريكية أوسع بشأن إمكانية تطوير الصين أنظمة قادرة على تنفيذ عمليات سيبرانية متقدمة.

الصين تقلص الفجوة مع النماذج الأمريكية

في المقابل، لم تعد واشنطن تنظر إلى الصين باعتبارها منافسًا بعيدًا في سباق الذكاء الاصطناعي.

ويشير تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن نماذج صينية حديثة، من بينها GLM-5.2 التابع لشركة Z.ai، تقترب في بعض مهام البرمجة واستخدام الوكلاء من أداء نماذج أمريكية رائدة مغلقة المصدر.

كما يشير التحليل إلى تقييم حكومي أمريكي وضع نموذج DeepSeek V4 Pro متأخرًا بنحو ثمانية أشهر عن النماذج الأمريكية الرائدة، وهو فارق لا يزال مهمًا لكنه يعكس في الوقت نفسه سرعة تضييق الصين للفجوة التكنولوجية.

وتبرز شركة DeepSeek بصورة خاصة في مجال تقنيات «مزيج الخبراء»، وهي بنية تستخدمها مختبرات ذكاء اصطناعي عديدة بهدف رفع الكفاءة وتقليل تكلفة تشغيل النماذج الكبيرة.

سباق الرقائق يضع سقفًا للتعاون

ورغم إمكانية التعاون في ملف السلامة، فإن ذلك لا يعني تراجع المنافسة التكنولوجية بين البلدين.

فالولايات المتحدة والصين تخوضان سباقًا مفتوحًا على الرقائق المتقدمة، ومراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية، والنماذج الحدودية، إلى جانب وضع المعايير التقنية التي ستحدد مستقبل الصناعة.

وتقدر مجموعة بوسطن الاستشارية أن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى أنفقت أكثر من 400 مليار دولار على النفقات الرأسمالية خلال 2025، مقابل نحو 63 مليار دولار في الصين.

وتشير هذه الفجوة إلى أن المنافسة لا تدور فقط حول امتلاك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، بل حول القدرة على تمويل البنية التحتية التي تسمح بتطوير هذه النماذج وتشغيلها على نطاق واسع.

31.6 تريليون دولار تنتظر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي

وتزداد أهمية هذا السباق مع ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عالميًا.

وتتوقع PwC وصول الإنفاق العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى نحو 31.6 تريليون دولار حتى 2050، مع استحواذ الولايات المتحدة على نحو 48% من إجمالي الاستثمارات المتوقعة، بما يعادل قرابة 15.1 تريليون دولار.

وفي المقابل، يتوقع أن تستحوذ منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بقيادة الصين والهند، على استثمارات تصل إلى نحو 8.2 تريليون دولار.

وتحذر PwC من أن اضطرابات تجارة الرقائق الإلكترونية يمكن أن تخفض الاستثمارات العالمية في هذا القطاع بنحو 20%، ما يكشف أن أمن سلاسل الإمداد أصبح جزءًا أساسيًا من معادلة الذكاء الاصطناعي.

بكين تبني قواعدها الخاصة لأمن الذكاء الاصطناعي

وبالتوازي مع المسار الأمريكي، تعمل الصين على تطوير إطار تنظيمي خاص بأمن الذكاء الاصطناعي.

ويوثق تقرير «حالة سلامة الذكاء الاصطناعي في الصين 2026» توسع القواعد المحلية لتشمل إجراءات ملزمة مرتبطة بخدمات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدراج مخاطر إساءة استخدام المواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية ضمن معيار وطني للذكاء الاصطناعي.

كما سجلت الأبحاث الصينية المرتبطة بسلامة النماذج الحدودية نموًا بنحو 60% خلال فترة الرصد، فيما أصبحت سلامة العملاء من أكثر الموضوعات نشاطًا في هذا المجال.

وفي يوليو الماضي، أصدرت لجنة التنمية والإصلاح الوطنية الصينية خطة عمل للتعاون والتنمية في الذكاء الاصطناعي، تضمنت الدعوة إلى حوكمة مشتركة لأمن الذكاء الاصطناعي وتبادل المعلومات بشأن التهديدات السيبرانية والاستجابة المشتركة للطوارئ.

ترامب وشي أمام اختبار جديد

ويأتي التحرك المحتمل ضمن مسار أوسع للتواصل بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.

وبحسب رويترز، من المقرر أن يلتقي الرئيسان في واشنطن يوم 24 سبتمبر، فيما ينظر مسؤولون صينيون إلى محادثات الذكاء الاصطناعي باعتبارها إحدى النتائج المهمة المحتملة لهذا المسار.

لكن سقف التوقعات بشأن أي اتفاق يبقى منخفضًا.

فالخلافات حول الرقائق والتصدير والقدرات الحاسوبية وملكية النماذج والتفوق التكنولوجي أعمق بكثير من أن تحسمها جولة واحدة من المحادثات.

اتفاق محدود قد يكون البداية

ويرى محللون أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في اتفاق محدود يركز على تبادل المعلومات، وتقييم المخاطر التقنية، وقنوات الاتصال خلال الأزمات، بدلًا من محاولة الوصول سريعًا إلى اتفاق شامل يشبه معاهدات الحد من التسلح.

وهنا تكمن أهمية المحادثات المحتملة: ليس في إنهاء سباق الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين، وإنما في محاولة وضع قواعد تمنع هذا السباق من التحول إلى أزمة أمنية عابرة للحدود.

وبذلك، قد يصبح «أمن الذكاء الاصطناعي» أول مساحة تعاون عملية بين البلدين، حتى في الوقت الذي تستمر فيه المنافسة على التكنولوجيا التي ستحدد شكل الاقتصاد والأمن العالمي خلال العقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى