900 مليار يورو تهز سوق الديون الأوروبية.. صناديق التقاعد الهولندية تقلص الطلب طويل الأجل

تواجه سوق الديون الأوروبية تحولًا هيكليًا قد يعيد رسم خريطة الطلب على السندات طويلة الأجل، مع انتقال صناديق التقاعد الهولندية إلى نظام جديد يقلل حاجتها إلى التحوط طويل الأجل، في خطوة قد ترفع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات التي تعتمد على آجال استحقاق تمتد إلى 20 و30 و50 عامًا.

وتشير تقديرات مجموعة «آي إن جي» إلى أن نحو 600 مليار يورو من الأصول تأثرت بالفعل بعملية التحول، بينما يُتوقع أن يتجاوز حجم الأصول المتأثرة 900 مليار يورو مطلع العام المقبل.

لماذا تتراجع شهية صناديق التقاعد الهولندية للديون طويلة الأجل؟

يرتبط التغيير بإصلاح نظام المعاشات التقاعدية في هولندا، الذي انتقل تدريجيًا من نموذج المزايا المحددة إلى نموذج المساهمات المحددة.

وفي النظام القديم، كانت صناديق التقاعد مطالبة بدرجة أكبر من مطابقة أصولها مع التزامات المعاشات طويلة الأجل. ولذلك اعتمدت على السندات طويلة الأجل وعقود مقايضة أسعار الفائدة للتحوط من مخاطر تغير أسعار الفائدة على التزامات تمتد لعقود.

أما النظام الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ في 2023، فيخفف الحاجة إلى هذا النوع من المطابقة، وهو ما يمنح الصناديق مساحة أكبر لتقليص مدة محافظها الاستثمارية والتحوطات المرتبطة بالآجال الطويلة.

والنتيجة المحتملة هي تراجع أحد أكثر مصادر الطلب استقرارًا في سوق الديون الأوروبية.

600 مليار يورو دخلت بالفعل دائرة التحول

وتبلغ أصول نظام المعاشات التقاعدية الهولندي نحو 1.6 تريليون يورو، وهو الأكبر من نوعه في أوروبا، فيما يتعين على صناديق التقاعد إتمام عملية التحول إلى النظام الجديد بحلول يناير 2028.

وبدأت الموجة الرئيسية الأولى من التحول في يناير الماضي، عندما نقل 24 صندوقًا أنظمتها، من بينها صندوق الرعاية الصحية «بي إف زد في» وصندوق المعادن «بي إم تي»، بإجمالي أصول تراوحت تقديراتها بين 550 و600 مليار يورو.

وأظهر تحليل للبنك المركزي الهولندي أن صناديق التقاعد الهولندية اشترت صافي نحو 34 مليار يورو من عقود مقايضة أسعار الفائدة التي تستحق خلال 25 عامًا، في حين باعت عقودًا طويلة الأجل أخرى تزيد قيمتها على 12 مليار يورو.

لكن التأثير الأكبر لم يبدأ بعد.

900 مليار يورو على موعد مع الاختبار الأكبر

من المقرر أن تدخل أكثر من 900 مليار يورو من أصول المعاشات التقاعدية دائرة التحول في يناير المقبل، ويشكل نظام الخدمة المدنية الهولندي «إيه بي بي» نحو 530 مليار يورو من هذا الإجمالي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى سوق المقايضات والسندات الأوروبية طويلة الأجل، بالنظر إلى الوزن الكبير الذي كانت تتمتع به صناديق التقاعد الهولندية كمستثمرين طويلَي الأجل.

وكانت الصناديق الهولندية تمتلك في نهاية العام الماضي نحو 88 مليار يورو من مقايضات أسعار الفائدة التي تستحق بعد 25 عامًا، بما يعادل قرابة ربع إجمالي السوق.

تكلفة الاقتراض قد تكون الضحية الأكبر

بالنسبة إلى الشركات والحكومات الأوروبية، فإن تراجع الطلب الهيكلي من صناديق التقاعد يعني احتمال مواجهة منافسة أكبر على قاعدة أصغر من المستثمرين الراغبين في الاحتفاظ بأصول طويلة الأجل.

وهذا قد ينعكس في صورة علاوة أعلى عند إصدار ديون بآجال 20 و30 و50 عامًا.

وترى سارة أدجير، نائبة الرئيس الأولى ومديرة المحافظ، وجيرون فان بيزويجن، مدير الحسابات لدى «بيمكو»، أن انتهاء نموذج المزايا المحددة الهولندي من شأنه تقليص الطلب الهيكلي على الأصول طويلة الأجل ودعم زيادة انحدار منحنى العائد طويل الأجل.

ويتوقع محللا «بيمكو» أن يتركز الأثر بصورة أكبر على مقايضات أسعار الفائدة لأجل 50 عامًا، مع امتداده كذلك إلى المقايضات الأوروبية لأجل 20 و30 عامًا والسندات الحكومية، ومن بينها السندات الألمانية والهولندية.

هولندا لا تتوقع أزمة في بيع السندات

ورغم هذه التحولات، لا يعني تراجع الطلب من صناديق التقاعد أن السندات الحكومية الهولندية ستفقد سيولتها أو تواجه صعوبة مفاجئة في العثور على مشترين.

وأكدت ساسكيا فان دون، مديرة وكالة الخزانة الحكومية الهولندية، أن الطلب على السندات الحكومية لأجل 30 عامًا لا يزال قويًا، مشيرة إلى التصنيف الائتماني المرتفع لهولندا.

لكن قوة الطلب الحالية لا تلغي التغير الهيكلي في قاعدة المستثمرين، خصوصًا مع اقتراب موعد انتقال مئات المليارات من اليورو إلى النظام التقاعدي الجديد.

الحكومات الأوروبية تعيد حسابات آجال الدين

وتشير البيانات إلى أن الجهات السيادية بدأت بالفعل في التكيف مع تغير هيكل الطلب.

فقد تراجعت حصة السندات الحكومية الهولندية المباعة بآجال استحقاق تتجاوز 10 سنوات من 42% في بداية عام 2025 إلى 31% بحلول الربع الثالث، وفق بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وفي الوقت نفسه، تتوقع المنظمة أن تصل إصدارات وكالات إدارة الدين في منطقة اليورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل إلى مستوى قياسي يبلغ نحو 1.35 تريليون يورو خلال العام الحالي.

ويعني ذلك أن سوق الديون الأوروبية تواجه معادلة مزدوجة: احتياجات اقتراض مرتفعة من جهة، وتغيرًا في طبيعة الطلب طويل الأجل من جهة أخرى.

سوق الديون أمام مرحلة مختلفة

وتكمن أهمية التحول الهولندي في أن صناديق التقاعد لم تكن مجرد مستثمرين كبار، بل كانت مصدرًا مستقرًا ويمكن التنبؤ به للطلب على الديون طويلة الأجل.

ومع تراجع الحاجة إلى التحوط من الالتزامات طويلة الأجل، قد تتغير هذه المعادلة تدريجيًا.

ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث قفزة فورية في عوائد السندات أو انهيار سوق الديون طويلة الأجل، لكنه يعني أن تكلفة التمويل قد تصبح أكثر حساسية لحجم الإصدارات، وشهية المستثمرين، وتقلبات أسعار الفائدة.

وبالنسبة إلى المديرين الماليين الأوروبيين، فإن الرسالة الأهم هي أن تمويل الديون طويلة الأجل قد يصبح أكثر تكلفة وأقل قابلية للتنبؤ، ما يفرض إعادة النظر في توقيت الإصدارات ومزيج آجال الاستحقاق المستخدمة في إدارة الالتزامات.

وبذلك لا يمثل إصلاح نظام التقاعد الهولندي تحولًا محليًا في إدارة المعاشات فقط، بل يحمل تداعيات أوسع على سوق الديون الأوروبية، في وقت تستعد فيه الحكومات والشركات لإصدارات ضخمة، بينما يتراجع تدريجيًا أحد أهم مصادر الطلب طويل الأجل في المنطقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى