الدكتور وليد فاروق يكتب: «جوزيف أوف هوليوود».. أول من استخدم المجوهرات في السينما
مدير « مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية »

قبل أن تصبح المجوهرات الأصلية جزءًا ثابتًا من إطلالات النجمات على السجادة الحمراء، كانت استوديوهات هوليوود تعتمد على صانع حُليّ يعرف كيف يخاطب الكاميرا بقدر ما يعرف أسرار المعدن، ذلك هو يوجين جوزيف، مؤسس دار «جوزيف أوف هوليوود»، الذي صنع خلال العصر الذهبي للسينما الأمريكية آلاف القطع التي ظهرت في أفلام خالدة، وأسهم في تحويل المجوهرات من تفصيلة تكميلية في الزي إلى عنصر من عناصر الدراما والصورة السينمائية.
ويستند هذا المقال إلى كتاب «مجوهرات هوليوود» لكاتب المقال، الصادر عن دار المحرر، والذي يوثق رحلة مصممي المجوهرات الذين أسهموا في تشكيل الصورة البصرية للسينما الأمريكية، وفي مقدمتهم يوجين جوزيف مؤسس دار «جوزيف أوف هوليوود».
وُلد يوجين جوزيف عام 1905 في شيكاغو لعائلة من أصول نمساوية، وبدأ حياته العملية في مجال الإعلان، لكنه اكتسب أيضًا خبرة مبكرة في صب المعادن داخل مسبك فني، وقد بدا هذا الجمع بين الحس الدعائي والحرفة المعدنية حاسمًا في مسيرته لاحقًا؛ إذ لم ينظر إلى الحلية باعتبارها قطعة للتزين فقط، بل باعتبارها منتجًا بصريًا.
وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين، انتقل جوزيف إلى لوس أنجلوس، حيث كانت صناعة السينما تنمو بسرعة وتتحول إلى صناعة نجوم وصور وأحلام جماهيرية، وهناك تعرّف إلى مصمم الأزياء الشهير والتر بلنكيت، الذي لفت انتباهه إلى مشكلة واضحة في الأفلام التاريخية، من حيث استخدام المجوهرات لا تتوافق مع الحقبة الزمنية للعمل.
من هذه الملاحظة، بدأ جوزيف مشروعه الحقيقي، جمع مراجع عن الحُلي عبر العصور، ودرس الصور واللوحات القديمة وزار المتاحف، ليصمم قطعًا تحاكي روح الحضارات القديمة والعصور الأوروبية المختلفة، من الإغريقي والروماني إلى عصر النهضة والعصر الفيكتوري.
لكن دقته التاريخية لم تكن هدفًا منفصلًا عن السينما، فالمطلوب لم يكن صنع نسخة متحفية من تاج أو عقد، بل تصميم قطعة تقنع المشاهد بالزمن الذي ينتمي إليه الفيلم، وتنسجم في الوقت ذاته مع ملامح الممثلة والملابس وحركة الجسد وزاوية التصوير.
وهنا بدأ جوزيف العمل من ورشة صغيرة في منزله، قبل أن يؤسس علامته «Joseff of Hollywood» ويصبح أحد أهم موردي الحُلي للاستوديوهات.
كانت أكبر مشكلة تواجه المجوهرات في الاستوديوهات القديمة هي الإضاءة، فالذهب المصقول أو الأحجار شديدة البريق قد تعكس الضوء بقوة، فتتحول على الفيلم إلى بقع لامعة تخفي تفاصيل القطعة أو تزعج الصورة، لذلك لم يكن استخدام الذهب والماس الحقيقيين هو الخيار الأفضل دائمًا، رغم قيمتهما المرتفعة.
ابتكر جوزيف معالجة معدنية ذات لون ذهبي معتق وغير لامع، عُرفت في الورشة باسم «الذهب الروسي»، لم تكن التركيبة ذهبًا خالصًا، لكنها صنعت من سبائك معدنية تمنح اللون الدافئ للذهب القديم، وتقلل انعكاس الضوء تحت كشافات التصوير.
وهكذا استطاع أن يصمم عقودًا ضخمة، وتيجانًا، وأقراطًا متدلية، وأساور عريضة، من دون أن تتحول إلى عائق تقني أمام الكاميرا، وكانت القطع تُنفذ في الغالب من معادن غير ثمينة، وزجاج ملوّن، وأحجار تحاكي الماس، ولآلئ صناعية؛ لكنها صُممت بعناية تجعلها تبدو فاخرة ومقنعة في اللقطة.
لقد أعاد جوزيف تعريف القيمة في الحُلي السينمائية، فالقيمة ليست في وزن الذهب ولا في قيراط الألماس، بل في قدرة القطعة على أن تبدو حقيقية على الشاشة، وأن تخدم الشخصية واللحظة الدرامية.
لم يكن جوزيف مصممًا فقط، بل كان صاحب نموذج عمل متقدم لصناعة السينما، فبدلًا من بيع الحُلي للاستوديوهات، كان يصنعها ثم يؤجرها لها، وبعد انتهاء التصوير، تعود القطع إلى ورشته لتُحفظ أو تُعدّل أو يعاد توظيفها في إنتاج جديد.
منح هذا الأسلوب الاستوديوهات قدرة على تقديم مشاهد فخمة من دون شراء مجوهرات باهظة لكل فيلم، كما منح الشركة مصدر دخل مستمرًا ومخزونًا متراكمًا من القطع الجاهزة، ولهذا لم تكن الحلية الواحدة تنتمي دائمًا إلى فيلم واحد أو نجمة واحدة؛ فقد تظهر القلادة نفسها في عمل تاريخي، ثم يعاد ترتيبها أو شد خيوطها لتظهر في فيلم آخر بشخصية مختلفة تمامًا.
هذا التدوير لم يكن مجرد إجراء لتوفير التكلفة، بل أصبح جزءًا من حرفة الورشة، كانت القطع قابلة للتعديل بحسب طول العنق أو شكل الفستان أو الفترة الزمنية، وهو ما جعل مخزون «جوزيف أوف هوليوود» أشبه بخزانة ضخمة لتاريخ السينما.
تظهر بصمة جوزيف بوضوح في فيلم «ذهب مع الريح» عام 1939، أحد أهم أفلام هوليوود الكلاسيكية، فقد تعاون مع والتر بلنكيت في تصميم الحُلي التي ارتدتها فيفيان لي في دور سكارليت أوهارا، ومنها عقد وسوار ارتبطا بصورة الشخصية الأرستقراطية الجنوبية.
ولم تكن هذه القطع مجرد إكمال للفستان؛ بل ساعدت في تقديم عالم الفيلم، بما يحمله من رفاهية طبقية وحنين إلى مجتمع ينهار مع الحرب الأهلية الأمريكية، كما صمم للرجال قطعًا وأكسسوارات تخدم أدوارهم، من بينها علبة سيجار مزخرفة لكلارك جيبل، صُممت بوجهين قابلين للتبديل لتلائم متطلبات المشاهد.
وفي أفلام أخرى ظهرت أعماله مع مارلين ديتريش في فيلم ” قطار شنجهاي”، وجريتا جاربو في فيلم “كاميل”، وفيرجينيا بروس في فيلم “زيجفيلد العظيم”، كما ارتدت مورين أوهارا وريتا هيوارث وجريس كيلي أقراطًا وقطعًا من مخزون الدار في أعمال ومناسبات دعائية مختلفة.
ومن أبرز الأمثلة على نموذج إعادة الاستخدام ما عُرف بقلادة التوباز، التي ظهرت مع أليس فاي في فيلم ” تلك الليلة في ريو ” عام 1941، ثم أعيد توظيفها في أعمال أخرى، منها فيلم “إشارة شانجهاى” و فيلم ” فضيحة ملكية “.
في الفيلم الغنائي «الرجال يفضلون الشقراوات» عام 1953، ارتدت مارلين مونرو في مشهد «Diamonds Are a Girl’s Best Friend» عقدًا وأساور وخواتم من تصميم دار «جوزيف أوف هوليوود»، لم تكن الأحجار ماسًا طبيعيًا، لكن تأثيرها البصري، مع الفستان الوردي الشهير والإضاءة والاستعراض، صنع واحدة من أكثر صور مارلين مونرو رسوخًا في ذاكرة السينما.
وبعد وفاة جوزيف في حادث تحطم طائرة عام 1948، استمرت الدار تحت إدارة زوجته جوان كاسل جوزيف، التي حافظت على علاقاتها مع الاستوديوهات ووسعت نشاطها، لذلك امتد اسم الشركة إلى أعمال لاحقة، من بينها فيلم «كليوباترا» عام 1963، حيث ارتدت إليزابيث تايلور حُليًا ضخمة مستوحاة من الرموز المصرية القديمة، منها الأحزمة والأساور ذات هيئة الثعابين والجعارين.
لم يكتف جوزيف بخدمة الاستوديوهات، بل التقط مبكرًا تأثير السينما في أذواق الجمهور، فحين أصبحت النجمات يرتدين تصميماته على الشاشة وخارجها، أطلق خطًا تجاريًا يبيع نسخًا من حُلي هوليوود في المتاجر الكبرى.
وبذلك أسهم جوزيف في توسيع سوق مجوهرات الأزياء، وربط بين السينما والموضة الشعبية قبل عقود من انتشار مفهوم العلامات التجارية المرتبطة بالمشاهير.
رحل يوجين جوزيف مبكرًا، لكن الدار التي أسسها بقيت، كما بقيت قطعها في الأفلام والمتاحف والمزادات ومجموعات هواة الحُلي، لقد كان صائغًا، لكنه في الحقيقة كان أحد مهندسي الصورة الهوليوودية، وبفضله أصبحت المجوهرات بطلًا صامتًا في فيلم لا يزال العالم يشاهده بعد عشرات السنين.









