38 مليار دولار على البلوك تشين.. لماذا أصبحت سيولة الأصول المُرمّزة التحدي الأكبر؟

تجاوزت قيمة الأصول الحقيقية المُرمّزة «RWA» على شبكات البلوك تشين نحو 38 مليار دولار، لكن القيمة الإجمالية للسوق لم تعد المؤشر الأهم على نضج القطاع.
فبحسب تقرير حديث لشركة «كاسل لابز»، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في تحويل الأصول التقليدية إلى رموز رقمية، وإنما في قدرة هذه الأصول على الانتقال بين منصات التداول، واستخدامها كضمانات للحصول على التمويل، والتداول بسيولة مرتفعة، والتفاعل مع التطبيقات المالية على شبكات البلوك تشين.
ويعني ذلك أن سوق الأصول الحقيقية المُرمّزة يقترب من مرحلة جديدة، يصبح فيها السؤال الأساسي: هل تحولت الأصول إلى أدوات مالية قابلة للاستخدام، أم أنها لا تزال مجرد نسخة رقمية من أصول موجودة بالفعل داخل النظام المالي التقليدي؟
38.86 مليار دولار قيمة الأصول الحقيقية المُرمّزة
وأظهرت بيانات منصة «RWA.xyz» في 15 سبتمبر 2026 أن قيمة الأصول الموزعة على شبكات البلوك تشين بلغت نحو 38.86 مليار دولار، بزيادة قدرها 1% خلال 30 يومًا، بينما وصل عدد حاملي هذه الأصول إلى نحو 4.24 مليون شخص.
وتتصدر سندات الخزانة الأمريكية مكونات السوق، بقيمة تتجاوز 15.9 مليار دولار، وفق البيانات المشار إليها في تقرير «كاسل لابز».
كما تشمل السوق أصولًا مرتبطة بالسلع بقيمة تقارب 4.9 مليار دولار، واستراتيجيات استثمارية نشطة بنحو 3.6 مليار دولار، وسندات ائتمانية مدعومة بأصول بقيمة 2.56 مليار دولار، إلى جانب أسهم مُرمّزة بقيمة تقارب 2.52 مليار دولار.
وتكشف هذه التركيبة عن اتساع نطاق التوكنة من مجرد تجربة تقنية إلى سوق يضم أدوات دين وأصولًا استثمارية وسلعًا وأدوات مالية متنوعة.
إيثيريوم تتصدر منصات الأصول المُرمّزة
وتتركز حصة كبيرة من الأصول الحقيقية المُرمّزة على عدد محدود من شبكات البلوك تشين.
وبحسب تصنيف «RWA.xyz» في 14 سبتمبر، تصدرت إيثيريوم بقيمة أصول بلغت نحو 17.3 مليار دولار، تلتها «BNB Chain» بنحو 5.6 مليار دولار، ثم «سولانا» بنحو 4.3 مليار دولار.
ويعكس توزيع الأصول بين عدة شبكات مشكلة رئيسية أمام تطور السوق، تتمثل في قابلية التشغيل البيني، إذ لا تعني عملية إصدار الأصل على شبكة معينة أنه يستطيع التحرك بسهولة إلى شبكة أخرى أو الاستفادة من السيولة الموجودة عليها.
وهنا تظهر فجوة بين امتلاك أصل مُرمّز وبين امتلاكه قيمة مالية قابلة للاستخدام على نطاق واسع.
إدراج الأصول لم يعد هو المشكلة
وترى «كاسل لابز» أن عملية إدراج الأصول المُرمّزة وإتاحتها للمستثمرين أصبحت أسهل بكثير مما كانت عليه في السابق.
وتوفر شركات ومنصات مثل «كرaken» و«روبن هود» و«أوندو» و«سيكيوريتيز» و«فرانكلين تمبلتون» و«بلاك روك» أشكالًا مختلفة من الوصول إلى الأصول المُرمّزة.
لكن الإتاحة وحدها لا تكفي.
فالأصل يصبح أكثر فائدة عندما يستطيع المستثمر نقله بين منصات مختلفة، وتداوله بعمق سوقي كافٍ، واستخدامه كضمان للحصول على قرض، وربطه بتطبيقات مالية أخرى على شبكة البلوك تشين.
وبذلك تنتقل المنافسة في السوق من مجرد إصدار رموز جديدة إلى بناء بنية مالية تسمح لهذه الرموز بالحركة والاستخدام وإعادة التوظيف.
من «الغلاف الرقمي» إلى الأصل القابل للتركيب
وتقسم «كاسل لابز» القيمة العملية للتوكنة إلى جانبين رئيسيين: سهولة الوصول وقابلية التركيب.
وقد نجحت التوكنة بالفعل في تسهيل الوصول إلى بعض الأصول والاستثمارات، إلا أن قابلية التركيب تمثل المرحلة الأكثر تعقيدًا.
فالمقصود بقابلية التركيب أن يستطيع الأصل المُرمّز الدخول في معاملات مالية أخرى على شبكة البلوك تشين، مثل استخدامه كضمان أو دمجه في منتجات استثمارية أو الاستفادة منه في عمليات الإقراض والتسوية.
وهنا تحديدًا يمكن أن تبدأ التوكنة في تغيير آليات عمل الأسواق المالية، بدلًا من الاكتفاء بتحويل شهادة أو سند أو سهم إلى رمز رقمي.
البنوك أمام فرصة وتمويل جديد
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة للقطاع المصرفي، لأن الأصول المُرمّزة يمكن أن تدخل مستقبلًا في عمليات الإقراض والضمانات وإدارة السيولة والتسوية.
وأشار صندوق النقد الدولي في مذكرة نشرها في أبريل 2026 إلى أن التوكنة يمكن أن تدعم التسوية الفورية، والإدارة المستمرة للسيولة، والامتثال المدمج.
لكن الصندوق حذر في الوقت نفسه من أن غياب الإطار القانوني المناسب وأصول التسوية الآمنة قد يزيد من مخاطر عدم الاستقرار المالي، من خلال تسريع حركة الأموال وزيادة التركّز والتجزئة داخل النظام المالي.
وهذا يضع البنوك أمام معادلة مزدوجة: الاستفادة من الكفاءة التي توفرها التوكنة، مع الحفاظ على متطلبات إدارة المخاطر والسيولة والامتثال.
السيولة لا تزال الحلقة الأضعف
وتكشف بيانات «بانتيرا كابيتال» أن حجم السوق لا يعكس بالضرورة درجة نضج الأصول المُرمّزة.
ففي تقريرها للربع الأول، رصدت الشركة 593 أصلًا، منها 542 أصلًا نشطًا، بينما بلغ متوسط مؤشر تقدم التوكنة 2.04 من 5 فقط.
وصنفت «بانتيرا» 77.6% من الأصول التي رصدتها ضمن فئة «الغلاف»، و11.1% ضمن الفئة الهجينة، بينما لم تتجاوز نسبة الأصول المصنفة كأصول «أصلية» 2.7%.
وتعني هذه الأرقام أن معظم الأصول المُرمّزة لا تزال تعتمد على نماذج مالية وتقنية مرتبطة بالنظام التقليدي، بدلًا من الاستفادة الكاملة من خصائص البلوك تشين.
مشكلة «الغلاف الرقمي»
وشبهت «بانتيرا» المرحلة الحالية من سوق التوكنة بالمرحلة المبكرة للإنترنت، عندما انتقلت الصحف والمجلات إلى مواقع إلكترونية دون أن تعيد بناء نموذج عملها بالكامل للاستفادة من التكنولوجيا الجديدة.
وبالمثل، يمكن أن تحمل الأصول التقليدية اليوم غلافًا رقميًا على شبكة البلوك تشين، بينما تظل طريقة تداولها وتسويتها واستخدامها قريبة من النموذج التقليدي.
ولهذا السبب لا تؤدي عملية الترميز وحدها إلى خلق سوق سائلة.
فالسيولة تحتاج إلى مشترين وبائعين، وصناع سوق، وتدفق أوامر في الاتجاهين، وآليات موثوقة لاكتشاف الأسعار، إضافة إلى بنية تحتية تسمح للأصول بالتحرك بين الأسواق والمنصات.
التشريعات تدفع القطاع إلى مرحلة جديدة
وتتزامن هذه التطورات مع تحسن البيئة التنظيمية للأصول الرقمية في عدد متزايد من الأسواق.
وبحسب «TRM Labs»، أحرزت أطر تنظيم العملات المستقرة تقدمًا في أكثر من 70% من 30 دولة بحلول عام 2025، بينما أعلنت نسبة كبيرة من المؤسسات المالية عن مبادرات مرتبطة بالأصول الرقمية.
ويشير ذلك إلى أن القطاع المصرفي بدأ يتعامل مع الأصول الرقمية باعتبارها جزءًا محتملًا من البنية المالية المستقبلية، وليس مجرد ظاهرة مرتبطة بسوق العملات المشفرة.
لكن اتساع الإطار التنظيمي لا يحل وحده مشكلة التشغيل البيني والسيولة، وهما عنصران أساسيان لتحويل التوكنة إلى بنية مالية ذات تأثير فعلي.
الأصول المُرمّزة قد تعيد تشكيل التمويل المصرفي
وتشير مجموعة بوسطن الاستشارية إلى أن سوق الأصول الحقيقية المُرمّزة لا يزال صغيرًا نسبيًا، لكن تأثيره الهيكلي المحتمل على القطاع المصرفي خلال العقد المقبل قد يكون أكبر بكثير من حجمه الحالي.
وتكمن أهمية ذلك في أن البنوك قد لا تتعامل مستقبلًا مع الأصول المُرمّزة كمنتجات استثمارية فقط، وإنما كأصول يمكن استخدامها في الضمانات والإقراض وإدارة السيولة والتسوية.
كما يمكن أن تفتح التوكنة الباب أمام أسواق تعمل على مدار الساعة، وتقل فيها الفواصل الزمنية بين تنفيذ الصفقات وتسويتها، بشرط توافر البنية القانونية والتقنية اللازمة.
لماذا لا تكفي الـ38 مليار دولار؟
الرقم البالغ 38.86 مليار دولار مهم لأنه يثبت أن سوق الأصول الحقيقية المُرمّزة أصبح يمتلك قيمة ملموسة.
لكن الأهم هو ما يحدث بعد إصدار الرمز.
فإذا ظل الأصل محصورًا على منصة واحدة، أو غير قابل للاستخدام كضمان، أو يفتقر إلى السيولة، فإن التوكنة قد تتحول إلى مجرد إعادة تغليف رقمية لأصل تقليدي.
أما إذا أصبح الأصل قابلًا للنقل والتداول والتمويل والدمج مع التطبيقات المالية المختلفة، فإن التوكنة تبدأ في خلق قيمة جديدة تتجاوز عملية التسجيل الرقمي نفسها.
القطاع المصرفي أمام نقطة تحول
ويبدو أن سوق الأصول الحقيقية المُرمّزة ينتقل تدريجيًا من مرحلة إثبات إمكانية التوكنة إلى مرحلة إثبات جدواها الاقتصادية.
وهنا ستكون المؤسسات المالية أمام اختبار مختلف: ليس من يستطيع إصدار أكبر عدد من الرموز، وإنما من يستطيع بناء سوق تتمتع بالسيولة وقابلية التشغيل البيني، وتسمح باستخدام الأصول المُرمّزة في التمويل والتسوية والضمانات.
وبالتالي، فإن تجاوز قيمة الأصول الحقيقية المُرمّزة حاجز 38 مليار دولار قد يكون مجرد بداية، بينما يكمن الرهان الحقيقي في تحويل هذه الأصول من «رموز موجودة على البلوك تشين» إلى «أصول مالية تعمل فعليًا داخل منظومة مصرفية رقمية».









