ضربة مزدوجة للذهب.. الدولار والفائدة يدفعان الأوقية إلى 4271 دولارًا

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات الثلاثاء إلى ما دون مستوى 4300 دولار للأوقية، مع تعرض المعدن النفيس لضغوط متزايدة من صعود الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، بالتزامن مع ترقب الأسواق قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن السياسة النقدية هذا الأسبوع.
وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6% إلى 4271.32 دولارًا للأوقية، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب بنسبة 1% إلى 4310.90 دولارًا، في الوقت الذي ارتفعت فيه رهانات الأسواق على رفع أسعار الفائدة الأمريكية إلى 92%، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية.
الذهب يتلقى ضربة من ارتفاع رهانات الفائدة
جاء تراجع الذهب بعد هبوطه إلى أدنى مستوى له في خمسة أسابيع خلال تعاملات الاثنين، مع استمرار المخاوف المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في نحو أربعة أشهر.
وتخشى الأسواق أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية، بما يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو زيادة أسعار الفائدة.
وتشير تسعيرات الأسواق إلى ارتفاع احتمال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة في ختام اجتماعه الأربعاء إلى نحو 92%، مقارنة بنحو 59% قبل أسبوع.
ويمثل هذا التحول ضغطًا مباشرًا على الذهب، إذ ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائدًا دوريًا، مقارنة بالأصول التي تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة.
عوائد السندات تتجاوز 5%
وتزامن ارتفاع رهانات رفع الفائدة مع صعود عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5%، مسجلة أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين.
كما ارتفع الدولار الأمريكي، وهو ما زاد من الضغوط على الذهب المقوم بالعملة الأمريكية.
ويؤدي ارتفاع الدولار عادةً إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، بما يحد من الطلب على المعدن في الأسواق العالمية.
وتجمع هذه التطورات بين عاملين سلبيين للذهب في توقيت حساس، هما ارتفاع العائد على السندات وصعود العملة الأمريكية.
النفط يرتفع رغم تراجع الذهب
وفي المقابل، واصلت أسعار النفط ارتفاعها بفعل مخاوف مرتبطة بإمدادات الخام العالمية، بعد إغلاق المملكة العربية السعودية خط أنابيبها الممتد من الشرق إلى الغرب، عقب هجمات شنها مسلحون حوثيون مدعومون من إيران في اليمن الأسبوع الماضي.
ويهدد توقف خط الأنابيب تدفقات ملايين البراميل من النفط يوميًا، خصوصًا أنه أصبح مسارًا مهمًا لتدفقات الخام السعودي بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز في وقت سابق من العام.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين أن خط الأنابيب، الذي يبلغ طوله نحو 1200 كيلومتر، قد يتوقف لمدة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أسابيع لإجراء أعمال الإصلاح.
ولم يتضح حتى الآن حجم التدفقات التي يمكن أن يستمر الخط في تمريرها جزئيًا خلال فترة الإصلاح.
إمدادات النفط تواجه خطرًا يصل إلى 4% عالميًا
وتراوحت متوسطات تدفقات النفط عبر خط الأنابيب منذ أواخر أغسطس بين 2.6 مليون و4 ملايين برميل يوميًا.
وحذر متعاملون في سوق النفط من أن استمرار إغلاق الخط لفترة طويلة قد يؤدي إلى تعطيل ما يصل إلى 4% من إمدادات النفط العالمية، وفقًا لما نقلته رويترز.
ويزيد هذا السيناريو من حساسية الأسواق تجاه أسعار الطاقة، خاصة إذا تزامن تعطل الإمدادات مع استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
المفارقة: أزمة النفط تضغط على الذهب
وتكشف حركة الأسواق الحالية عن مفارقة مهمة؛ فارتفاع أسعار النفط يمثل في حد ذاته عاملًا داعمًا للمخاوف الجيوسياسية، وهي مخاوف عادةً ما تدفع المستثمرين إلى الذهب كملاذ آمن.
لكن التأثير الآخر لارتفاع النفط قد يكون أكثر قوة في الوقت الحالي.
فإذا أدى ارتفاع الطاقة إلى زيادة التضخم، فقد يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى الحفاظ على أسعار الفائدة المرتفعة أو تشديد السياسة النقدية، وهو ما يرفع عوائد السندات ويقوي الدولار ويضغط على الذهب.
وبالتالي، فإن أزمة النفط التي كان يمكن أن تدعم الذهب من زاوية الملاذ الآمن، أصبحت تضغط عليه من زاوية السياسة النقدية والتضخم.
قرار الفيدرالي يرسم الاتجاه التالي
وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى قرار الاحتياطي الفيدرالي المرتقب الأربعاء، بحثًا عن إشارات بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة.
وتكتسب لهجة البنك المركزي أهمية أكبر في ظل ارتفاع التضخم المحتمل نتيجة أسعار الطاقة، وصعود عوائد السندات، وارتفاع الدولار.
وقال لوكمان أوتونوجا، رئيس قسم أبحاث السوق في «إف إكس تي إم»، إن الأسواق تدخل أسبوعًا قد تتحرك فيه أسعار النفط والبنوك المركزية والعوائد في اتجاه واحد نحو ارتفاع التضخم وتشديد الأوضاع المالية.
وأوضح أن السؤال الرئيسي يتمثل في ما إذا كان صناع السياسة النقدية سيؤكدون هذه التوقعات أم سيعارضونها، مشيرًا إلى أن الإجابة قد تحدد الاتجاه التالي لأسواق العملات والأسهم والذهب.
الذهب أمام اختبار 4300 دولار
ويضع الهبوط الحالي الذهب أمام اختبار فني ونفسي مهم حول مستوى 4300 دولار للأوقية.
فاستمرار صعود الدولار والعوائد، إلى جانب ارتفاع احتمالات رفع الفائدة، قد يبقي المعدن تحت الضغط ويفتح الباب أمام اختبار مستويات أقل.
أما تراجع رهانات التشديد النقدي، أو ظهور مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد الأمريكي بما يحد من قدرة الفيدرالي على رفع الفائدة، فقد يعيد جزءًا من الطلب الاستثماري إلى الذهب.
وتبقى أسعار النفط عاملًا مزدوج التأثير؛ إذ يمكن أن تعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد مخاوف التضخم وتدفع عوائد السندات إلى الارتفاع.
وبذلك، لا يتوقف اتجاه الذهب خلال الأيام المقبلة على التوترات الجيوسياسية وحدها، وإنما على المعركة الأهم بين التضخم وأسعار الفائدة والدولار وعوائد السندات الأمريكية.









