مديرو الشركات الأمريكية يرفعون توقعات التضخم.. والفائدة تتحول إلى الخطر الأكبر

رفعت الشركات الأمريكية توقعاتها لزيادة الأسعار خلال العام الجاري والمقبل، بالتزامن مع تحول ارتفاع أسعار الفائدة وتكلفة التمويل إلى أحد أبرز مصادر القلق لدى المديرين الماليين.

وأظهر أحدث مسح ربع سنوي للمديرين الماليين، أجرته شبكة تضم الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند وأتلانتا وجامعة ديوك، أن الشركات تتوقع زيادة أسعار منتجاتها وخدماتها بمتوسط 5.3% خلال 2026، مقابل 4.6% في مسح الربع الثاني و3.6% في بداية العام.

أما توقعات زيادة الأسعار خلال 2027، فارتفعت إلى متوسط 4.5%، مقابل 4.1% في الربع الثاني و3.6% في بداية العام.

السياسة النقدية تتصدر مخاوف الشركات

المفارقة أن ارتفاع توقعات الأسعار جاء في وقت تراجع فيه تركيز المديرين الماليين على التضخم باعتباره أكبر مصدر للقلق.

وبدلًا من ذلك، تصدرت «السياسة النقدية» قائمة المخاوف، بعدما وضعتها نحو 20% من الشركات على رأس أولوياتها، مقابل أقل من 15% في المسح السابق.

ويأتي ذلك مع انتقال السياسة النقدية الأمريكية إلى مرحلة أكثر تشددًا، في محاولة لاحتواء ضغوط الأسعار التي تخشى الشركات أن تصبح أكثر اتساعًا واستمرارية.

الشركات تستعد لارتفاع تكلفة الاقتراض

أُجري المسح خلال الفترة من 17 أغسطس إلى 4 سبتمبر 2026، وشمل نحو 500 شركة من مختلف الأحجام والقطاعات على مستوى الولايات المتحدة.

وجاءت النتائج قبل قرار الاحتياطي الفيدرالي الأخير برفع سعر الفائدة الرئيسي بواقع 25 نقطة أساس، في وقت كان النقاش داخل الأسواق قد بدأ بالفعل يتحول نحو احتمال استمرار رفع الفائدة وزيادة تكاليف الاقتراض.

وهذا التطور مهم للشركات؛ لأن ارتفاع الفائدة لا يرفع تكلفة القروض الجديدة فقط، بل قد يؤثر أيضًا في قرارات الاستثمار والتوسع وتمويل رأس المال العامل.

الشركات الصغيرة تدفع الثمن الأكبر

وقالت سونيا واديل، نائبة الرئيس والخبيرة الاقتصادية في بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن التحديات المرتبطة بالتمويل تظهر بصورة أكبر لدى الشركات الصغيرة والشركات التي تعاني من قيود مالية.

وأظهر المسح أن نحو خُمس الشركات الصغيرة أفادت بأن القيود التمويلية تعرقل خطط التوسع أو تجعل تغطية التكاليف أكثر صعوبة.

كما تتوقع الشركات عمومًا انخفاض الاستثمارات الرأسمالية خلال الأشهر الستة المقبلة مقارنة بالتوقعات التي كانت لديها قبل ستة أشهر.

42% يكشفون سبب تراجع الاستثمار

وتكشف بيانات المسح عن تغير مهم في سلوك الشركات.

فمن بين الشركات التي لا تخطط للاستثمار، قال نحو 42% إن السبب يعود إلى ظروف التمويل غير المواتية أو الحاجة إلى الحفاظ على السيولة النقدية.

وتعد هذه النسبة مرتفعة مقارنة بـ32% قبل ستة أشهر، ما يشير إلى أن تكلفة التمويل والحفاظ على النقد أصبحتا عاملين أكثر حضورًا في قرارات الشركات الاستثمارية.

التضخم لم يعد المشكلة الوحيدة

وتعكس نتائج المسح معادلة أكثر تعقيدًا بالنسبة للشركات الأمريكية.

فمن ناحية، تتوقع الشركات ارتفاع الأسعار بنسبة 5.3% هذا العام و4.5% العام المقبل. ومن ناحية أخرى، تواجه الشركات خطر ارتفاع تكلفة الاقتراض إذا استمرت السياسة النقدية في الاتجاه التشديدي.

وبالتالي، قد تجد الشركات نفسها أمام خيارين صعبين: رفع الأسعار لحماية هوامش الأرباح، أو امتصاص جزء من ارتفاع التكاليف للحفاظ على الطلب.

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى تأجيل توسعات واستثمارات كانت الشركات تخطط لتنفيذها.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد الأمريكي؟

رغم استمرار التفاؤل العام بين المديرين الماليين بشأن الاقتصاد، تشير نتائج المسح إلى ظهور ضغوط أكثر وضوحًا على الشركات الصغيرة والأكثر اعتمادًا على التمويل.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية لأن تراجع الاستثمار الخاص يمكن أن يؤثر في خطط التوسع والتوظيف والإنتاج، خصوصًا إذا استمرت الشركات في الاحتفاظ بالنقد بدلًا من توجيهه إلى مشروعات جديدة.

وفي المقابل، فإن قدرة الشركات على تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين ستظل عاملًا مهمًا في تحديد مدى استمرار ضغوط الأسعار.

وتضع نتائج المسح الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة دقيقة: الشركات تتوقع تضخمًا أعلى، لكنها في الوقت نفسه بدأت تشعر بضغط أكبر من تكلفة التمويل.

ومع دخول السياسة النقدية مرحلة أكثر تشددًا، ستصبح قرارات الشركات بشأن الأسعار والاستثمار والسيولة والاقتراض مؤشرات مهمة على مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمل ارتفاع تكلفة الأموال دون تباطؤ حاد في النشاط.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى