بيلي يحذر الحكومات: خطط خفض الدين ضرورة لاحتواء عوائد السندات

دعا أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، الحكومات إلى تقديم خطط مالية موثوقة وواضحة لخفض مستويات الدين، محذرًا من أن ارتفاع الاقتراض والتضخم يفرض ضغوطًا متزايدة على أسواق السندات الحكومية، ويزيد الحاجة إلى تعزيز ثقة المستثمرين في استدامة المالية العامة.

وقال بيلي خلال مؤتمر اقتصادي في إسطنبول إن الالتزامات الواقعية بخفض الدين يمكن أن تساعد في الحد من العلاوة التي يطلبها المستثمرون على السندات الحكومية، خاصة عندما تتعرض الاقتصادات لصدمات سلبية كبيرة، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو التوترات الجيوسياسية والحرب في الشرق الأوسط.

ارتفاع عوائد السندات يضغط على الحكومات

وتأتي تصريحات محافظ بنك إنجلترا في وقت تتعرض فيه أسواق السندات لموجة بيع واسعة رفعت تكاليف الاقتراض الحكومي إلى مستويات مرتفعة في عدد من الاقتصادات الكبرى.

وفي بريطانيا، ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 30 عامًا إلى نحو 6.036%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1998، بينما صعد عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى نحو 5.48%، مقتربًا من أعلى مستوياته منذ 2007.

وجاءت القفزة في العوائد ضمن موجة عالمية من ارتفاع تكاليف الاقتراض، مدفوعة بمخاوف التضخم وارتفاع أسعار النفط وزيادة احتياجات الحكومات والشركات إلى التمويل.

النفط يعيد مخاطر التضخم إلى الواجهة

وربط بيلي بين ضغوط الأسواق المالية وارتفاع أسعار الطاقة، معتبرًا أن الصدمات السلبية تزيد من أهمية وجود سياسة مالية قادرة على الحفاظ على ثقة المستثمرين.

وتشكل أسعار النفط المرتفعة أحد أبرز مصادر القلق الحالية بالنسبة للبنوك المركزية، بعدما تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل في ظل اضطرابات الإمدادات والهجمات على السفن في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يزيد مخاطر انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى التضخم الأوسع.

وقال بيلي إن البنوك المركزية يجب أن تظل مركزة على إعادة التضخم إلى مستوياتها المستهدفة، حتى مع اتساع الضغوط المالية والسوقية.

«بعيد كل البعد عن الوضع الطبيعي»

ووصف محافظ بنك إنجلترا التحركات الحادة الأخيرة في الأسواق المالية بأنها «بعيدة كل البعد عن الوضع الطبيعي»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنها لم تصل إلى مرحلة التوتر المالي أو نقص السيولة.

ويعكس هذا التقييم القلق المتزايد لدى السلطات النقدية بشأن هشاشة أسواق السندات، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد حساسية المستثمرين تجاه مستويات الدين والتضخم والسياسة المالية.

المصداقية المالية تحد من علاوة المخاطر

ويرى بيلي أن وجود مسار مالي موثوق ومستدام يمكن أن يحد من العلاوة التي يطلبها المستثمرون لامتلاك السندات الحكومية، وبالتالي يقلل من الارتفاع الإضافي في تكاليف خدمة الدين عندما تتعرض الأسواق لصدمات جديدة.

وتزداد أهمية هذه المسألة في بريطانيا مع اقتراب عرض الموازنة الحكومية، في وقت ترتفع فيه تكلفة الاقتراض وتتعرض المالية العامة لضغوط من مستويات الدين المرتفعة.

ولا تتعلق المخاوف البريطانية بالسوق المحلية فقط، إذ تشهد أسواق الديون السيادية في أوروبا والولايات المتحدة أيضًا ضغوطًا متزايدة مع صعود أسعار الطاقة وعودة مخاوف التضخم، إلى جانب القلق بشأن الاحتياجات التمويلية الحكومية.

بنك إنجلترا يتمسك بالحذر النقدي

وتأتي تصريحات بيلي في وقت أبقى فيه بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75% خلال اجتماعه الأخير، مع تأكيده أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم الأوسع لا يزال قيد التقييم.

وكان بيلي قد أشار في سبتمبر إلى أن البنك يراقب بصورة خاصة كيفية انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم العام والأجور والأسعار، محذرًا من أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة أطول قد يجعل التعامل مع التضخم أكثر صعوبة.

وتعكس تصريحات بيلي الحالية استمرار هذا النهج الحذر: لا تجاهل لضغوط التضخم، لكن في الوقت نفسه لا اندفاع نحو تشديد نقدي منفصل عن تطورات النشاط الاقتصادي والأسواق.

ضغوط السندات تتجاوز بريطانيا

وتأتي التطورات البريطانية ضمن مشكلة أوسع تواجه أسواق الدين العالمية، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الاقتراض الحكومي وتزايد علاوات المخاطر إلى دفع عوائد السندات في عدد من الأسواق إلى مستويات مرتفعة.

وتتعرض فرنسا بصورة خاصة لضغوط قوية، بعدما ارتفعت عوائد سنداتها لأجل 10 سنوات إلى مستويات قرب 5% وسط مخاوف بشأن عجز الموازنة والقدرة على تمرير موازنة 2027، ما دفع وزراء مالية منطقة اليورو إلى الدعوة إلى إقرار موازنة موثوقة لتهدئة الأسواق.

المالية العامة تصبح جزءًا من معركة التضخم

وتضع تصريحات بيلي المالية العامة في قلب المعادلة التي تواجه البنوك المركزية؛ فارتفاع الدين والاقتراض لا يزيدان فقط احتياجات الحكومات التمويلية، بل قد يرفعان أيضًا علاوات المخاطر وتكاليف الاقتراض طويلة الأجل، وهو ما ينعكس على الشركات والأسر ويزيد حساسية الاقتصاد تجاه ارتفاع الفائدة.

وبالتالي، فإن السيطرة على التضخم لم تعد مسألة نقدية فقط، بل تتطلب أيضًا أن تحافظ الحكومات على مصداقية خطط الإنفاق والاقتراض وخفض الدين.

وتشير رسالة محافظ بنك إنجلترا إلى أن وجود سياسة مالية واضحة ومستدامة أصبح عنصرًا أساسيًا في حماية الأسواق من موجات الاضطراب، خاصة في بيئة تتزايد فيها صدمات الطاقة والجيوسياسة وتبقى فيها مستويات الدين العام مرتفعة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى