النفط يهدد استقرار الجنيه.. 3 سيناريوهات أمام الحكومة المصرية لمواجهة فاتورة الطاقة

تتزايد الضغوط على الجنيه المصري والموازنة العامة مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا وخروج مستثمرين أجانب من أدوات الدين المحلية، في وقت تتحمل فيه الحكومة تكلفة تثبيت أسعار الوقود والطاقة حتى نهاية ديسمبر 2026. وتضع هذه التطورات الاقتصاد المصري أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في تدبير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الطاقة واحتواء الأعباء المالية الناتجة عن تأجيل تمرير زيادات التكلفة إلى المستهلكين.

وتجاوز سعر الدولار مستوى 56 جنيهًا في البنوك المصرية خلال تداولات أكتوبر الحالي، للمرة الأولى وفقًا للبيانات الواردة في التقرير. وبلغ متوسط سعر الصرف لدى البنك المركزي المصري نحو 56.3511 جنيه في نهاية التداولات المشار إليها، بزيادة تقارب 3.9 جنيه منذ بداية الشهر.

وتتزامن ضغوط العملة مع اتساع عجز الحساب الجاري وارتفاع فاتورة واردات الطاقة، بينما تترقب الأسواق كيفية تعامل الحكومة مع تكلفة استيراد النفط والغاز خلال الفترة المقبلة، وما إذا كانت ستواصل تحمل الفروق السعرية أم تلجأ إلى زيادات تدريجية في أسعار الوقود خلال عام 2027.

تخارج المستثمرين وارتفاع النفط يضغطان على الجنيه

ترى نعمة الله شكري، رئيسة قسم البحوث بشركة إتش سي لتداول الأوراق المالية، أن خروج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، أسهم في زيادة الضغوط على الجنيه مقابل الدولار خلال الفترة الماضية.

وتتزايد أهمية هذه التطورات مع ارتفاع احتياجات البلاد من النقد الأجنبي لتغطية واردات الطاقة، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة النفط والغاز إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، بما يضيف ضغوطًا على سوق الصرف في ظل تحركات تدفقات الاستثمار الأجنبي.

من جانبه، يرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس، أن ارتفاع تكلفة استيراد النفط والغاز يضغط على ميزان المدفوعات، بعدما تحولت مصر من دولة تتمتع بفوائض في الغاز والبترول إلى مستورد لكميات أكبر من الطاقة.

عجز الحساب الجاري يرتفع إلى 22.5 مليار دولار

اتسع عجز حساب المعاملات الجارية في مصر خلال العام المالي 2025-2026، المنتهي في يونيو 2026، إلى 22.5 مليار دولار، مقابل 15.4 مليار دولار في العام السابق، بزيادة تقارب 46%، وفقًا للأرقام الواردة في البيانات المنشورة.

وجاء ذلك بالتزامن مع ارتفاع عجز الميزان التجاري السلعي بنسبة 27.1% إلى 64.8 مليار دولار، وزيادة عجز ميزان دخل الاستثمار بنسبة 33.8% إلى 21.2 مليار دولار.

وعلى مستوى التجارة غير البترولية، ارتفع العجز بنسبة 25.4% إلى 46.6 مليار دولار، مع نمو الواردات غير البترولية بنسبة 16.9% إلى 83.9 مليار دولار، مقابل زيادة الصادرات غير البترولية بنسبة 7.8% إلى 37.3 مليار دولار.

أما تجارة البترول، فقد ارتفع عجزها بنسبة 31.5% إلى 18.3 مليار دولار، بعدما صعدت الواردات البترولية إلى 24.9 مليار دولار. وشملت الزيادة ارتفاع واردات الغاز الطبيعي بنحو 4.7 مليار دولار، وواردات البترول الخام بنحو 1.9 مليار دولار.

ويرى جنينة أن عجز الطاقة أسهم في اتساع العجز التجاري خلال العام المالي الماضي، وقد يستمر تأثيره خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، وفقًا لتطورات الأسواق العالمية.

السيولة المحلية تحدد مدى انتقال الضغوط إلى الدولار

لا يتوقف مسار سعر الصرف على تكلفة الاستيراد وحدها؛ إذ يرى جنينة أن تعامل السياسة النقدية مع نمو السيولة بالجنيه يمثل عاملًا مهمًا في تحديد مدى استمرار الضغوط.

ويوضح أن ارتفاع سعر برميل النفط من 60 دولارًا إلى 120 دولارًا يضاعف تكلفة توفيره، لكن انتقال هذه الزيادة إلى المستهلكين يتأثر بقدرتهم على تحمل الأسعار الجديدة. وقد يحد تشديد السياسة النقدية ونمو السيولة بوتيرة أبطأ من قدرة الطلب المحلي على استيعاب الزيادات، بما قد يقلل من انتقال الضغوط إلى سوق الصرف والأسعار.

ويعكس هذا التصور ارتباط تكلفة الطاقة بسعر الدولار والتضخم والسياسة النقدية، إذ لا تتحدد آثار ارتفاع أسعار النفط بحجم فاتورة الاستيراد فقط، بل أيضًا بآليات تمويلها ومدى قدرة الاقتصاد على استيعاب تكلفتها.

تثبيت أسعار الوقود حتى ديسمبر يرفع أعباء الموازنة

قررت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية ووزارة البترول والثروة المعدنية تثبيت أسعار الوقود والمنتجات البترولية دون تعديل حتى نهاية ديسمبر 2026، وفقًا للمعلومات الواردة في التقرير.

ويضع القرار المالية العامة أمام معادلة صعبة: تحمل الفارق بين تكلفة استيراد الطاقة وسعر بيعها محليًا، أو تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلكين، بما يخفف العبء المالي لكنه يضيف أعباء معيشية جديدة.

وتتوقع شكري ارتفاع عجز الموازنة المصرية خلال العام المالي الحالي، في ظل استمرار تحمل الحكومة تكلفة ارتفاع النفط مع تثبيت أسعار المحروقات والطاقة. وتشير إلى أن تدبير التمويل اللازم قد يعتمد على الاقتراض المحلي، واستخدام جزء من حصيلة برنامج الطروحات الحكومية، إلى جانب الشريحة الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد قال إن الموازنة العامة بُنيت على أساس سعر 75 دولارًا لبرميل النفط، في حين ارتفعت الأسعار إلى نحو 110 دولارات، ما يفرض أعباء إضافية لتأمين احتياجات البلاد من الوقود والغاز الطبيعي.

وبحسب جنينة، ناقشت الحكومة ثلاثة مسارات للتعامل مع ارتفاع تكلفة الطاقة: مواصلة تثبيت الأسعار وتحمل الفارق، أو تمرير الزيادة إلى المستهلكين، أو خفض الاستهلاك عبر إجراءات مثل تخفيف الأحمال.

ولا ترغب الحكومة، وفقًا لتصريحاته، في خفض الكميات المتاحة من البنزين والسولار والكهرباء، لارتباطها بالحياة اليومية والنشاط الاقتصادي. لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يزيد تكلفة تأجيل تعديل الأسعار، إذ تنتقل الأعباء إلى الموازنة العامة بدلًا من اختفائها.

زيادات تدريجية محتملة في أسعار الطاقة خلال 2027

يرجح جنينة أن تبدأ الحكومة تحريك أسعار الطاقة خلال العام المقبل إذا استمرت الضغوط الحالية، مشيرًا إلى سيناريو لزيادة لا تتجاوز 10% في المرة الواحدة، مع إعادة تقييم الأوضاع بعد كل خطوة.

ويقوم هذا التصور على توزيع الزيادات المحتملة على مراحل بدلًا من تحميل المستهلكين كامل التكلفة دفعة واحدة، مع مراعاة تطورات أسعار النفط وسعر الصرف. ولا يمثل ذلك قرارًا معلنًا بزيادة الأسعار، بل سيناريو مشروطًا باستمرار الظروف الحالية.

في المقابل، يرى جنينة أن تراجع النفط واستقرار الدولار قد يقللان الحاجة إلى زيادات متتالية. ويطرح سيناريو افتراضيًا يعود فيه سعر البرميل إلى نطاق يتراوح بين 75 و80 دولارًا، مع استقرار الدولار عند نحو 50 جنيهًا، بما قد يخفض تكلفة الطاقة مقارنة بالمستويات المرتفعة.

ويقدّر جنينة أن نحو 30% من السعر الحالي لبرميل النفط يرتبط بعوامل التحوط، وليس بقوى العرض والطلب وحدها. ويرى أن تراجع هذه العوامل، بالتزامن مع زيادة محلية محدودة عند الحاجة، قد يقرب أسعار الوقود من مستوى التوازن ويقلص الحاجة إلى دعم إضافي.

السياحة والتحويلات وتراجع واردات الغاز قد تخفف الضغوط

تمثل تدفقات السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج مصادر للنقد الأجنبي يمكن أن تساعد على احتواء جانب من الضغوط، بحسب جنينة، فيما تتغير فاتورة استيراد الغاز وفقًا للموسم ومستويات الطلب.

وتبلغ واردات الغاز ذروتها عادة خلال الربع الثالث من العام مع ارتفاع الاستهلاك في فصل الصيف، قبل أن تبدأ في التراجع خلال الربع الرابع. وقد يتيح انخفاض الواردات الموسمية توفير جزء من فاتورة الاستيراد وتوجيه الموارد إلى احتياجات أخرى، من بينها استيراد السولار والبنزين.

لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يحد من أثر هذا التراجع، لتظل تكلفة الطاقة أحد العوامل المؤثرة في احتياجات مصر من النقد الأجنبي، ومسار سعر الصرف، وحجم التمويل المطلوب للموازنة العامة.

وتبقى التطورات خلال الأشهر المقبلة مرتبطة بثلاثة عوامل رئيسية: اتجاه أسعار النفط عالميًا، وحركة الدولار وتدفقات النقد الأجنبي، وقرار الحكومة بشأن توقيت وآلية التعامل مع تكلفة الطاقة بعد انتهاء فترة تثبيت الأسعار بنهاية ديسمبر 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى