الدكتور محمد محفوظ عمران يكتب : « الترشيد بين فكر العقل وسياسة المنع »

كيف نحمي الموارد دون خنق الاقتصاد؟

 في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية، برز مصطلح “الترشيد” كضرورة حتمية، لكن الخيط الفاصل بين الترشيد كمنهج علمي للإصلاح وبين “المنع” كإجراء عشوائي يظل رفيعاً. فالترشيد في جوهره ليس حرماناً، بل هو فن إدارة الموارد بكفاءة لتحقيق أقصى استفادة دون هدر، وبما يضمن كرامة المواطن واستقرار معيشته.

​الفجوة بين العلم والعشوائية

​يُعرف الترشيد العلمي بأنه إدارة الموارد عبر التكنولوجيا والتخطيط والأهداف القابلة للقياس، دون أن يتأثر الموظف أو المواطن سلباً. أما الترشيد العشوائي، فهو الذي يعتمد على قرارات مفاجئة، مثل تقليل الإضاءة أو غلق المنشآت دون دراسة أثرها الاجتماعي، مما يحول السياسة من أداة حماية إلى عبء ثقيل يعطل الأنشطة الاقتصادية ويُضعف ثقة المجتمع.

​تداعيات “الترشيد غير المدروس” على المواطن

​عندما يغيب التخطيط، يتحول الترشيد إلى ضغوط يومية تؤثر على جودة الحياة:

​تآكل الدخل والعمل: تأثر العمالة غير الرسمية التي تمثل نحو 75% من النشاط الاقتصادي المسائي في مصر (كالمطاعم والمقاهي)، حيث تؤدي قرارات الإغلاق المبكر إلى تهديد أرزاق مئات الآلاف.

​انخفاض جودة الحياة: شعور المواطن بأن الترشيد هو “تضييق” وليس “تنظيماً” يخلق حالة من المقاومة المجتمعية بدلاً من التعاون.

​التأثيرات على الاقتصاد المصري

​الاقتصاد لا ينمو بالانكماش العشوائي، والقرارات غير المدروسة قد تؤدي إلى:

​تعطيل الإنتاجية: تراجع حركة السوق نتيجة تقليص ساعات العمل أو خفض الطاقة بشكل غير تقني.

​اهتزاز ثقة المستثمر: غياب الرؤية المستقرة يجعل السوق يبدو غير متوقع، مما يؤثر على جاذبية الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

​ضرب المشروعات الصغيرة: وهي الفئة الأكثر هشاشة وتأثراً بأي تغيير مفاجئ في تكاليف أو ساعات التشغيل.

​خارطة طريق: الحلول العلمية

​لكي يكون الترشيد قاطرة للتنمية، يجب أن يرتكز على أربع ركائز أساسية:

​الرقمنة والأهداف الرقمية: وضع مستهدفات واضحة لخفض الاستهلاك ومتابعتها بدقة.

​التكنولوجيا الذكية: الاعتماد على أنظمة التحكم الآلي في الطاقة والمياه التي توفر الهدر دون المساس براحة المستخدم.

​التوعية التشاركية: تحويل الترشيد من “قرار حكومي” إلى “ثقافة شعبية” مستدامة عبر الحوار وإشراك المجتمع في صنع القرار.

​الترشيد في الميزان الشرعي: قيمة أصيلة لا إجراء مؤقت

​لقد سبقت الشريعة الإسلامية النظريات الاقتصادية الحديثة في ترسيخ ثقافة الاستدامة. فالقرآن الكريم يربط بين الترشيد وحفظ النعم، معتبراً التبذير انحرافاً أخلاقياً قبل أن يكون اقتصادياً؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.

​وجسّد النبي ﷺ أعلى معايير الترشيد حتى في العبادات، حين قال لسعد رضي الله عنه وهو يتوضأ: «ما هذا السَّرَفُ؟»، وعندما سأله سعد متعجباً: “أفي الوضوء إسراف؟”، أجاب ﷺ بصيغة القاعدة الذهبية: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ». هذا التوجيه النبوي يؤكد أن الترشيد سلوك نابع من المسؤولية، وليس نتاجاً للندرة أو الفقر.

​خلاصة القول

​الترشيد هو “إدارة عقلانية” توازن بين حماية الموارد وصون كرامة الإنسان. إن نجاح أي سياسة ترشيدية مرهون بتحولها من “إجراءات منع” فوقية إلى “ثقافة علمية” شاملة، تضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة دون أن تخنق نبض الحياة والعمل في الحاضر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى