رامي زهدي يكتب :« القروض الصغيرة في القارة الإفريقية وصناعة إقتصاديات محلية قوية »
خبير الشؤون الإفريقية

هناك خطأ شائع في النظر إلى التمويل الأصغر باعتباره مجرد آلية لإقراض محدودي الدخل أو وسيلة لمساعدة الفئات الأكثر احتياجا، بينما الحقيقة التي أثبتتها التجارب الدولية والإفريقية والمصرية أن التمويل الأصغر أصبح أحد أهم أدوات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وأكثرها قدرة على خلق الثروة من القاعدة إلى القمة، وليس العكس، فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات أكثر مرونة لم تبدأ دائما بالمشروعات العملاقة، وإنما أولت اهتماما كبيرا بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر باعتبارها المصنع الحقيقي لفرص العمل، والحاضنة الطبيعية لريادة الأعمال، والمدخل الأكثر كفاءة لتوسيع الطبقة المنتجة.
ولعل ما يميز التمويل الأصغر أنه لا يوزع الأموال، وإنما يعيد توزيع الفرص، فهو ينقل المواطن من خانة الباحث عن وظيفة إلى خانة صانع الوظيفة، ومن مستهلك للدعم إلى مساهم في الناتج المحلي، ومن اقتصاد الظل إلى الاقتصاد الرسمي، وهو ما يفسر اهتمام المؤسسات الدولية والحكومات والبنوك التنموية بهذه الصناعة خلال العقدين الماضيين بصورة غير مسبوقة.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات حول العالم، وتوفر ما يزيد على 50% من فرص العمل، بينما تصل مساهمتها في بعض الاقتصادات الناشئة إلى أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي، أما الفجوة التمويلية العالمية التي تواجه هذه المشروعات فتتجاوز خمسة تريليونات دولار، وهو ما يعكس أن التحدي الحقيقي لم يعد في وجود الأفكار، وإنما في قدرة أصحابها على الوصول إلى التمويل المناسب.
وفي مصر، شهد قطاع التمويل الأصغر طفرة تنظيمية ومؤسسية كبيرة منذ صدور القانون رقم 141 لسنة 2014، ثم انتقال الرقابة إلى الهيئة العامة للرقابة المالية التي نجحت في وضع إطار رقابي وتنظيمي أكثر احترافية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حجم النشاط وعدد المستفيدين، فقد تجاوز عدد العملاء في السنوات الأخيرة أربعة ملايين مستفيد، بينما ارتفعت قيمة المحافظ التمويلية إلى عشرات المليارات من الجنيهات، مع زيادة ملحوظة في نسب الشمول المالي وانتشار الخدمات في المحافظات والقرى والمراكز.
وما يستحق التوقف أمامه أن المرأة المصرية أصبحت تمثل النسبة الأكبر من المستفيدين من التمويل الأصغر، حيث تتجاوز حصتها في كثير من البرامج 60%، بل تصل في بعض الجمعيات والمؤسسات إلى ما يقارب 70%. وهذه ليست مجرد أرقام، وإنما مؤشر بالغ الدلالة على أن الاستثمار في المرأة يمثل استثمارا مباشرا في الأسرة والإنتاج والاستقرار الاجتماعي، خاصة أن التجارب أثبتت ارتفاع معدلات السداد لدى السيدات مقارنة بمتوسطات قطاعات أخرى، وهو ما جعل العديد من المؤسسات الدولية تعتبر تمويل المرأة أحد أكثر أدوات التنمية استدامة.
وعندما ننظر إلى التجربة الإفريقية نجد أن القارة تمتلك واحدة من أكثر البيئات احتياجا إلى التمويل الأصغر، وفي الوقت نفسه واحدة من أكثر البيئات قدرة على تحقيق عوائد تنموية مرتفعة من خلاله، فإفريقيا تضم أكثر من 1.5 مليار نسمة، ويتوقع أن يقترب العدد من 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، بينما تمثل فئة الشباب أقل من 35 عاما نحو 70% من السكان، وهي معادلة تفرض ضرورة خلق ملايين فرص العمل الجديدة سنويا، وهو ما لا تستطيع الحكومات وحدها القيام به دون قطاع خاص نشط ومشروعات صغيرة قادرة على النمو.
وتبرز التجربة الكينية باعتبارها واحدة من أكثر النماذج نجاحا في الدمج بين التمويل الأصغر والتكنولوجيا المالية، فقد ساهمت خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وعلى رأسها نظام M-Pesa، في إحداث ثورة حقيقية في الوصول إلى الخدمات المالية، حيث أصبح ملايين المواطنين قادرين على الادخار والاقتراض والسداد إلكترونيا دون الحاجة إلى فروع مصرفية تقليدية، وهو ما انعكس على نمو المشروعات الصغيرة في المناطق الريفية وخفض تكلفة المعاملات المالية بصورة كبيرة.
كما تقدم رواندا نموذجا آخر يستحق الدراسة، حيث اعتمدت الحكومة على دمج التمويل الأصغر مع التدريب المهني والتحول الرقمي والتعاونيات الإنتاجية، فلم يكن التمويل مجرد قرض، وإنما جزء من منظومة متكاملة تشمل بناء القدرات، والتسويق، والإدارة، والمتابعة، وهو ما رفع معدلات نجاح المشروعات وخفض نسب التعثر بصورة لافتة.
أما إثيوبيا، فرغم التحديات السياسية والأمنية التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة، فإنها استطاعت قبل تلك الاضطرابات بناء شبكة واسعة من مؤسسات التمويل الأصغر التي وصلت إلى ملايين العملاء، خاصة في القطاعات الزراعية والريفية، بما ساهم في تحسين مستويات الدخل وتعزيز الأمن الغذائي في العديد من المناطق.
وفي أوغندا وغانا وتنزانيا ظهرت نماذج ناجحة لربط التمويل الأصغر بسلاسل القيمة الزراعية، بحيث لا يحصل المزارع على قرض فقط، وإنما يحصل أيضا على خدمات الإرشاد الزراعي، والتأمين، والتسويق، وربط الإنتاج بالمصانع والأسواق، وهو ما ضاعف من القيمة المضافة ورفع الإنتاجية وخفض المخاطر.
غير أن أهم درس يمكن استخلاصه من جميع هذه التجارب هو أن التمويل وحده لا يصنع التنمية، وإنما البيئة التي تحتضن التمويل. فالقرض الذي يمنح دون تدريب قد يتحول إلى عبء، والتمويل الذي يقدم دون دراسة للسوق قد ينتهي إلى مشروع متعثر، بينما التمويل المرتبط بالتأهيل الفني والتسويق والتحول الرقمي والإرشاد الإداري يصبح أداة حقيقية لصناعة الثروة.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة في مصر ينبغي ألا تركز فقط على زيادة حجم التمويل، وإنما على تطوير فلسفة التمويل نفسها،
نحن بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “إقراض الأفراد” إلى مفهوم “بناء المشروعات”. وبحاجة أيضا إلى ربط التمويل الأصغر بخطط الدولة الصناعية والزراعية والسياحية، بحيث يتم توجيه المحافظ التمويلية نحو الأنشطة الأعلى قيمة مضافة والأكثر قدرة على التصدير والتشغيل.
كما أن المحافظ الحدودية والقرى الأكثر احتياجا تستحق برامج تمويل متخصصة تتناسب مع طبيعتها الاقتصادية، سواء في الصناعات الحرفية أو التصنيع الزراعي أو الثروة الحيوانية أو الاقتصاد الأزرق أو الخدمات اللوجستية، مع منح حوافز إضافية للمشروعات التي توفر فرص عمل للشباب والمرأة وذوي الإعاقة.
ومن القضايا التي أصبحت تفرض نفسها بقوة ضرورة دمج الذكاء الاصطناعي والتحليلات الرقمية في تقييم الجدارة الائتمانية، بما يسمح بخفض تكلفة التمويل وتسريع إجراءات الحصول على القروض، خاصة في المناطق التي لا تتوافر فيها بيانات مصرفية تقليدية، وهو اتجاه بدأت بالفعل العديد من المؤسسات المالية الدولية في تبنيه.
ولا يمكن إغفال أهمية ربط التمويل الأصغر بمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تمثل أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، حيث تضم 54 دولة وسوقا يزيد حجمها على 1.5 مليار مستهلك، وناتجا محليا إجماليا يقترب من 3.4 تريليون دولار. فالمشروعات المصرية الصغيرة يمكن أن تصبح أحد أهم أدوات النفاذ إلى الأسواق الإفريقية إذا توافرت لها منظومة تمويل وتدريب وتصدير متكاملة، وهو ما يمنح الاقتصاد المصري بعدا استراتيجيا جديدا يتجاوز حدود السوق المحلية.
والتجارب الناجحة في مصر وإفريقيا تؤكد أن التمويل الأصغر لم يعد مجرد نشاط مالي، بل أصبح صناعة تنموية كاملة، وأداة لإعادة توزيع الفرص، وآلية لتعزيز العدالة الاقتصادية، ومحركا للنمو الشامل، وجسرا يربط بين السياسات الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، والدول التي تنجح في تحويل ملايين المواطنين إلى منتجين، إنما تبني اقتصادا أكثر صلابة في مواجهة الأزمات، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعدادا للمستقبل.
وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في توفير الأموال، وإنما في صناعة الإنسان القادر على تحويل هذه الأموال إلى قيمة مضافة، فالاقتصادات لا تبنى بحجم القروض التي تمنح، وإنما بعدد الأحلام التي تتحول إلى مشروعات، وعدد المشروعات التي تتحول إلى شركات، وعدد الشركات التي تتحول إلى قوة إنتاجية قادرة على المنافسة محليا وإقليميا ودوليا، وهنا تحديدا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للتمويل الأصغر، ليس باعتباره سياسة اجتماعية، وإنما باعتباره استثمارا طويل الأجل في مستقبل الدولة وقوة اقتصادها واستقرار مجتمعها.









