أوبن إيه آي ومايكروسوفت أمام القضاء.. صحيفتان تطالبان بتدمير بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي

دخلت معركة حقوق النشر بين المؤسسات الصحفية وشركات الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، بعدما رفعت صحيفتا «سياتل تايمز» و«نيوزداي» دعوى قضائية فيدرالية ضد شركتي أوبن إيه آي ومايكروسوفت، متهمتين الشركتين باستخدام محتواهما الصحفي دون إذن لتدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتطالب الصحيفتان، في خطوة لافتة، بإصدار أمر قضائي يلزم بتدمير نسخ من أعمالهما، إلى جانب مجموعات بيانات التدريب أو نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتضمن المحتوى محل النزاع.
دعوى جديدة ضد أوبن إيه آي ومايكروسوفت
أُقيمت الدعوى أمام المحكمة الجزئية الأمريكية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، وتحمل رقم 1:26-cv-07644، وتتهم الصحيفتان الشركتين بجمع محتوى من مواقعهما الإلكترونية، بما في ذلك مواد موجودة خلف جدران الدفع، وإدراج هذه المواد في مجموعات بيانات استُخدمت لتدريب وتشغيل منتجات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب الدعوى، فإن المحتوى الصحفي دخل ضمن البيانات المستخدمة في تطوير وتشغيل منتجات من بينها ChatGPT وMicrosoft Copilot وميزات الذكاء الاصطناعي في محرك Bing.
وتقول الصحيفتان إن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على إعادة إنتاج مقاطع من تقاريرهـما، وإعادة صياغة المقالات بدرجة عالية من الدقة، وتقديم إجابات قد تقلل حاجة المستخدم إلى زيارة المواقع الأصلية أو شراء الاشتراكات.
الصحافة تواجه منافسًا جديدًا على جمهورها
وتتجاوز أهمية القضية مسألة استخدام المقالات في تدريب النماذج؛ إذ تضع أمام القضاء سؤالًا أكثر حساسية يتعلق بالعائد الاقتصادي من المحتوى الصحفي في عصر الذكاء الاصطناعي.
فالصحف تنفق أموالًا كبيرة على جمع المعلومات، وتوظيف الصحفيين والمحررين والمصورين، والتحقق من الأخبار، ثم بيع هذا المحتوى للقارئ من خلال الإعلانات والاشتراكات.
لكن إذا تمكن المستخدم من الحصول على خلاصة دقيقة للمادة الصحفية من خلال روبوت محادثة، دون زيارة الموقع الأصلي أو الاشتراك فيه، فإن نموذج الأعمال التقليدي للصحافة قد يتعرض لضغط مباشر.
وهنا تكمن أهمية الدعوى الجديدة؛ فهي لا تتعلق فقط بمن يملك حقوق المقال، وإنما بمن يحصل على القيمة الاقتصادية الناتجة عن هذا المحتوى عندما تتحول المادة الصحفية إلى إجابة مولدة بالذكاء الاصطناعي.
«سياتل تايمز»: ننفق ملايين الدولارات على إنتاج المحتوى
وقال آلان فيسكو، الرئيس التنفيذي ورئيس صحيفة «سياتل تايمز»، إن الصحيفة ترى ضرورة الدفاع عن محتواها الذي تنفق ملايين الدولارات سنويًا على إنتاجه، في مواجهة استخدامه دون موافقة أو تعويض.
وتعكس تصريحات الصحيفة جوهر النزاع المتصاعد بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا: هل يكفي أن تكون البيانات متاحة على الإنترنت حتى تصبح قابلة للاستخدام في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، أم أن استخدام المحتوى المحمي بحقوق النشر يحتاج إلى موافقة أو ترخيص؟
أوبن إيه آي تتمسك بالدفاع عن «الاستخدام العادل»
من جانبها، قالت أوبن إيه آي إن نماذجها تُدرّب على بيانات متاحة للعامة، وإن استخدامها يستند إلى مبدأ الاستخدام العادل، من دون التعليق بشكل محدد على الدعوى الجديدة.
أما مايكروسوفت فقالت إنها فوجئت بالدعوى، لكنها أكدت أهمية الصحافة المحلية واستعدادها للجلوس مع المؤسسات الصحفية والبحث عن حلول لهذا النوع من النزاعات.
وبذلك تتمسك الشركات برؤية قانونية تختلف عن موقف الصحف، وهو خلاف سيظل مرتبطًا بمدى اعتبار استخدام المحتوى المحمي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي استخدامًا مشروعًا أم انتهاكًا لحقوق أصحاب المحتوى.
طلب غير مسبوق بتدمير نماذج وبيانات التدريب
وتتمثل إحدى أكثر النقاط أهمية في الدعوى في طلب الصحيفتين إصدار أمر قضائي بتدمير نسخ أعمالهما، وكذلك مجموعات بيانات التدريب أو نماذج الذكاء الاصطناعي التي تتضمن هذه الأعمال.
وهذا الطلب يرفع سقف المواجهة القانونية؛ لأن القضية لم تعد تدور فقط حول الحصول على تعويض مالي، بل تمتد إلى مستقبل النماذج التي يُزعم أنها دُربت على المحتوى محل النزاع.
وفي حال تبنت المحاكم مثل هذه المطالب في قضايا مماثلة، فقد تصبح شركات الذكاء الاصطناعي أمام تحدٍ تقني وقانوني بالغ التعقيد يتعلق بكيفية تحديد المحتوى محل النزاع وإزالته من مجموعات البيانات والنماذج.
سياتل تايمز ونيوزداي ليستا أول من يواجه شركات الذكاء الاصطناعي
وتأتي الدعوى الجديدة في سياق موجة أوسع من النزاعات القضائية بين أصحاب حقوق النشر وشركات الذكاء الاصطناعي.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد رفعت في عام 2023 دعوى ضد أوبن إيه آي ومايكروسوفت، متهمة الشركتين باستخدام ملايين المقالات الصحفية دون إذن لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
ولا تزال هذه القضية جزءًا من سلسلة واسعة من الدعاوى التي أقامها ناشرو الأخبار والكتاب وغيرهم من أصحاب الحقوق ضد شركات التكنولوجيا، وبينها أوبن إيه آي وأنثروبيك وميتا، بشأن استخدام مواد محمية في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.
مفارقة تكشف تعقيد العلاقة بين الصحافة والذكاء الاصطناعي
المفارقة أن «سياتل تايمز» و«نيوزداي» كانتا ضمن مؤسسات صحفية حصلت في 2024 على تمويل وائتمانات برمجية ضمن مبادرة بقيمة 10 ملايين دولار أطلقتها أوبن إيه آي ومايكروسوفت بالتعاون مع معهد لينفست لدعم استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار المحلية.
لكن التعاون في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار لا يعني بالضرورة موافقة المؤسسات على استخدام محتواها لتدريب النماذج، وهو ما يوضح مدى تعقيد العلاقة بين شركات التكنولوجيا وقطاع الإعلام.
معركة قد تعيد رسم اقتصاد المحتوى الصحفي
وتحمل القضية الجديدة أهمية تتجاوز أطرافها المباشرة، لأنها قد تسهم في تحديد قواعد التعامل مع المحتوى الصحفي في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
فإذا اعتبرت المحاكم أن استخدام المقالات لتدريب النماذج يحتاج إلى تراخيص أو تعويضات، فقد يتوسع نموذج اتفاقيات ترخيص المحتوى بين شركات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات الإعلامية.
أما إذا حصلت شركات التكنولوجيا على أحكام تؤيد موقفها بشأن الاستخدام العادل، فقد يتعزز نموذج الاعتماد على البيانات المتاحة للعامة، مع استمرار الجدل حول حدود هذا الاستخدام.
وفي الحالتين، أصبحت الصحافة أمام معادلة جديدة: المحتوى الذي تنتجه لم يعد ينافس فقط على انتباه القارئ، وإنما أصبح أيضًا مادة أساسية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
القضية تكشف أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول حقوق النشر، بل حول القيمة الاقتصادية للبيانات والمحتوى. فإذا أصبحت إجابات الذكاء الاصطناعي بديلًا عن زيارة المواقع الإخبارية، فإن شركات التكنولوجيا قد تحصل على جزء من القيمة التي كانت تذهب تاريخيًا إلى الإعلانات والاشتراكات. وهذا قد يدفع صناعة الإعلام إلى التعامل مع المحتوى باعتباره أصلًا اقتصاديًا يحتاج إلى تسعير وترخيص وحماية، وليس مجرد مادة منشورة على الإنترنت.









