الرقابة المالية تعيد ضبط سوق التمويل الاستهلاكي بقواعد جديدة للائتمان والتحصيل

أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية أول دليل شامل للقواعد والضوابط المنظمة لشركات التمويل الاستهلاكي، في خطوة تستهدف توحيد المتطلبات الرقابية الحاكمة للنشاط، ورفع مستوى الامتثال، وتعزيز حماية العملاء واستقرار سوق التمويل غير المصرفي.
ويجمع الدليل مختلف القرارات والتعليمات والكتب الدورية والقواعد الرقابية الصادرة لتنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي، بما يتيح للشركات القائمة والجديدة مرجعًا موحدًا يوضح متطلبات التأسيس والترخيص والحوكمة ومنح التمويل وإدارة المخاطر والإفصاح والتحصيل والأمن السيبراني.
دليل موحد يعيد ترتيب قواعد التمويل الاستهلاكي
ويستند الدليل إلى أحكام قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، وما صدر تنفيذًا له من قرارات مجلس إدارة الهيئة ورئيس الهيئة والكتب الدورية حتى الآن.
ويغطي الدليل دورة عمل شركات التمويل الاستهلاكي بالكامل، بداية من إجراءات التأسيس والترخيص ومتطلبات رأس المال وهيكل المساهمين، مرورًا بقواعد الحوكمة وتشكيل مجالس الإدارة واللجان والوظائف الرئيسية ونظم الرقابة الداخلية.
كما يتناول القواعد الأساسية لممارسة النشاط، ومعايير الملاءة المالية، وإعداد القوائم المالية، ونماذج عقود التمويل، وإجراءات قيد الفروع.
تشديد قواعد الإعلان والإفصاح وحماية العميل
ويضع الدليل ضوابط واضحة للتسويق والإعلان والإفصاح، بما يلزم شركات التمويل بتقديم المعلومات للعملاء بصورة واضحة ودقيقة.
وتشمل المتطلبات إتاحة جداول السداد وبيانات التكاليف والمصروفات والمزايا والمخاطر المرتبطة بالتمويل، إلى جانب تنظيم الضمانات المقدمة من العملاء.
ويحظر الدليل الحصول على أوراق موقعة على بياض أو إيصالات أمانة كضمان للحصول على التمويل، بما يعزز الحماية القانونية للعملاء ويحد من الممارسات التي قد تحملهم التزامات غير واضحة.
قواعد أكثر صرامة لمنح التمويل
ويتضمن الدليل قواعد تقييم الجدارة الائتمانية للعملاء، ومراجعة التمويلات القائمة، ومتابعة العملاء غير المنتظمين، والتأكد من استخدام التمويل في الغرض المخصص له.
كما يتطلب اعتماد نظم للتقييم الرقمي للجدارة الائتمانية تستند إلى عوامل مرتبطة بالقدرة على السداد والوضع المالي للعميل.
وتستهدف هذه القواعد تحسين جودة قرارات منح التمويل، والحد من مخاطر التعثر، وتعزيز قدرة الشركات على إدارة محافظها الائتمانية بصورة أكثر كفاءة.
بازل 3 يدخل منظومة التمويل غير المصرفي
ويمتد الإطار الرقابي إلى معايير بازل 3 المرتبطة بالملاءة المالية، بما يشمل معيار كفاية رأس المال والرافعة المالية ونسب السيولة.
كما يشمل قواعد تكوين المخصصات ومخاطر التركّز واختبارات التحمل المالي والتقارير الدورية.
وتعكس هذه المتطلبات توجه الهيئة نحو تعزيز قدرة شركات التمويل على مواجهة مخاطر الائتمان والتشغيل والسيولة، والحفاظ على سلامة مراكزها المالية.
الأمن السيبراني يصبح شرطًا لاستمرار الترخيص
ويولي الدليل اهتمامًا كبيرًا للتحول الرقمي والأمن السيبراني، إذ يلتزم المرخص لهم بتوفير البنية التكنولوجية وأنظمة المعلومات اللازمة لممارسة النشاط.
كما يتعين وضع أطر لحوكمة تكنولوجيا المعلومات وإدارة مخاطرها والأمن السيبراني، إلى جانب إجراء اختبارات اختراق دورية.
وتصبح هذه المتطلبات جزءًا من شروط استمرار الترخيص، بما يعكس ارتفاع أهمية المخاطر التكنولوجية مع توسع شركات التمويل في تقديم خدماتها رقميًا.
تنظيم جديد لشركات تحصيل المستحقات
ويشمل الإطار الرقابي إنشاء سجل لشركات تحصيل المستحقات العاملة في أنشطة التمويل غير المصرفي، بهدف إحكام الرقابة على عمليات التحصيل وحماية حقوق المتعاملين.
وتلتزم الشركات والجهات العاملة في أنشطة التمويل غير المصرفي بإخطار العملاء ببيانات شركات التحصيل المتعاقد معها، ووسائل التحقق من هوية المحصلين وطرق التواصل الرسمية.
كما تخضع الشكاوى المقدمة ضد شركات التحصيل للمتابعة، مع اتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة عند وجود مخالفات.
تأمين العملاء حتى سن 65 عامًا
ومن بين القواعد الحديثة التي يتضمنها الدليل إلزام شركات التمويل الاستهلاكي بتوفير تغطية تأمينية للعملاء حتى سن 65 عامًا الحاصلين على تمويل.
وتغطي وثيقة التأمين مخاطر الوفاة والعجز الكلي المستديم، على أن يساوي مبلغ التأمين رصيد التمويل المستحق على العميل.
وتوفر هذه الآلية حماية إضافية للعميل وأسرته، كما تحد من المخاطر المرتبطة بالتمويل في حالات الوفاة أو العجز الكلي المستديم.
مواجهة تسييل التمويل النقدي
ويتناول الدليل كذلك قواعد التعامل مع التمويل النقدي المسبق، وآليات رصد ومواجهة حالات تسييل التمويل.
كما يتضمن القوائم المنظمة للمخالفات والتدابير الإدارية والإجراءات التي يجوز للهيئة اتخاذها في إطار رقابتها على الجهات الخاضعة للقانون.
إسلام عزام: حماية العملاء واستقرار السوق أولوية
وقال الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، إن حماية حقوق المتعاملين واستقرار السوق يمثلان ركيزتين أساسيتين لازدهار نشاط التمويل الاستهلاكي وتعظيم إسهامه في الاقتصاد الوطني.
وأكد أن مسؤولية الهيئة تشمل التأكد من التزام الجهات الخاضعة للرقابة بالقواعد المنظمة للعلاقة مع العملاء، إلى جانب متابعة سلامة ممارسات منح التمويل وإدارته.
وأوضح أن وضوح القواعد وتكاملها يمثلان عنصرين أساسيين لضمان كفاءة الرقابة، مشيرًا إلى أن إتاحة المتطلبات التنظيمية بصورة منظمة تساعد الشركات على تحديد التزاماتها الرقابية، وتدعم أعمال المتابعة والتقييم، وترفع مستوى الاتساق في تطبيق القواعد داخل السوق.
الرقابة تمتد من الإعلان إلى تحصيل الأقساط
وأوضح عزام أن الرقابة تشمل مختلف مراحل العلاقة بين الشركة والعميل، بدءًا من الإعلان والتسويق والإفصاح عن شروط التمويل وتكاليفه، مرورًا بتقييم الجدارة الائتمانية وإبرام العقود، وصولًا إلى إدارة التمويل ومتابعة الالتزامات وحماية بيانات العملاء.
وأكد أن الهدف هو ضمان إلمام المتعامل بالمعلومات اللازمة لاتخاذ قرار مالي واعٍ، والحد من الممارسات التي قد تضر بمصالحه أو تحمله التزامات غير واضحة.
وشدد على استمرار الهيئة في مواجهة أي اختلالات أو ممارسات من شأنها الإضرار بحقوق المتعاملين أو المساس بسلامة القطاع المالي غير المصرفي، واتخاذ الإجراءات الرقابية والتصحيحية اللازمة تجاه المخالفات وفقًا لأحكام القانون والقرارات المنظمة للنشاط.
رحاب طه: الدليل أداة عملية للشركات
من جانبها، قالت الدكتورة رحاب طه، مساعد رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية لشؤون التمويل، إن إعداد الدليل جاء استجابة للحاجة إلى تبويب القواعد والضوابط المنظمة لنشاط التمويل الاستهلاكي في إطار متكامل يسهل على الشركات تحديد متطلباتها الرقابية وتطبيقها.
وأوضحت أن الدليل يمثل أداة عملية يمكن للشركات الاستناد إليها في مراجعة أطر العمل والإجراءات الداخلية والتأكد من توافقها مع القواعد والضوابط الصادرة عن الهيئة.
وأضافت أن الهيئة تواصل تطوير الإطار التنظيمي للتمويل غير المصرفي بما يتناسب مع تطور نماذج الأعمال والمخاطر المرتبطة بها، مع الحفاظ على الضوابط اللازمة لسلامة الممارسات وحماية حقوق المتعاملين.
خطوة نحو سوق تمويل أكثر انضباطًا
ويعكس إصدار الدليل انتقال الرقابة على نشاط التمويل الاستهلاكي إلى مرحلة أكثر تكاملًا، إذ لم تعد الرقابة تركز فقط على سلامة الشركة ومركزها المالي، وإنما تمتد إلى كامل دورة التمويل، من الإعلان عن المنتج وحتى تحصيل المستحقات.
كما يجمع الإطار الجديد بين ثلاثة مسارات رئيسية: سلامة شركات التمويل، وجودة قرارات الائتمان، وحماية حقوق العملاء.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية مع استمرار نمو نشاط التمويل غير المصرفي وتنوع المنتجات الرقمية ووسائل تقديم التمويل، وهو ما يفرض على الشركات تطوير أنظمة إدارة المخاطر والامتثال والحوكمة بالتوازي مع التوسع في الأعمال.
وتؤكد الهيئة أن تطوير الأطر التنظيمية للتمويل غير المصرفي سيظل مسارًا مستمرًا لمواكبة تغيرات الأسواق ونماذج الأعمال والمخاطر الجديدة، بالتوازي مع تعزيز حماية المتعاملين وتكثيف توعيتهم بحقوقهم التي تكفلها القوانين المنظمة للنشاط.









