الصين تُبقي الفائدة عند 3%.. لماذا ضاقت مساحة خفض أسعار الإقراض؟

أبقت الصين أسعار الإقراض القياسية دون تغيير للشهر السادس عشر على التوالي، في خطوة تعكس تراجع مساحة التيسير النقدي أمام صناع السياسة، بالتزامن مع تحول أكثر تشددًا في توجهات البنوك المركزية العالمية الكبرى.

وأبقى بنك الشعب الصيني سعر الفائدة الأساسي للقرض لأجل عام واحد عند 3%، فيما استقر سعر الفائدة الأساسي للقرض لأجل خمس سنوات عند 3.50%.

وجاء القرار متوافقًا مع توقعات الأسواق، بعدما توقع جميع المشاركين الـ21 في استطلاع أجرته «رويترز» عدم إجراء أي تغيير على المؤشرين.

ثبات الفائدة الصينية بعد تشدد «الفيدرالي»

يأتي قرار بنك الشعب الصيني في أعقاب رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، مع الإشارة إلى إمكانية استمرار الزيادات خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار المخاوف بشأن التضخم.

وأدى اختلاف اتجاهات السياسة النقدية بين أكبر اقتصادين في العالم إلى اتساع الفجوة بين السياسة النقدية الأمريكية والصينية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أسواق السندات وتدفقات رؤوس الأموال.

وتذبذبت علاوة العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مقارنة بالسندات الحكومية الصينية المماثلة قرب مستويات قياسية مرتفعة، عقب تحرك الاحتياطي الفيدرالي نحو سياسة نقدية أكثر تشددًا.

ضعف الطلب على الائتمان يضغط على البنوك الصينية

وتواجه الصين في الوقت نفسه قيودًا داخلية تحد من قدرتها على استخدام خفض أسعار الفائدة كأداة واسعة لدعم الاقتصاد.

ويأتي في مقدمة هذه القيود ضعف الطلب على الائتمان، إلى جانب الضغوط المتزايدة على ربحية البنوك، في ظل استمرار انكماش قطاعات العقارات والحكومات المحلية.

وقال محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغشنغ إن تباطؤ نمو القروض أصبح أمرًا طبيعيًا، مع تراجع الطلب على الائتمان بوتيرة أسرع من قدرة الصناعات الناشئة على تعويض هذا الانخفاض.

ويعني ذلك أن خفض أسعار الفائدة وحده قد لا يكون كافيًا لإعادة تنشيط الطلب على الاقتراض، إذا استمرت القطاعات التقليدية في تقليص احتياجاتها التمويلية.

هل انتهت دورة خفض الفائدة الصينية؟

وقالت سيرينا تشو، كبيرة استراتيجيي الصين في شركة ميزوهو للأوراق المالية، إن احتمالات تنفيذ تيسير نقدي واسع النطاق خلال الربع الرابع تراجعت، خصوصًا في ظل الموقف الأكثر تشددًا للاحتياطي الفيدرالي.

وأضافت أن حدوث ضعف إضافي كبير في الطلب المحلي الصيني قد يدفع صناع السياسة إلى إعادة النظر في هذه التوقعات.

وترى جاكلين رونغ، كبيرة الاقتصاديين الصينيين في بنك بي إن بي باريبا، أن الصين تقترب من نهاية دورة خفض أسعار الفائدة.

وتتوقع رونغ أن يبقي بنك الشعب الصيني أسعار الفائدة دون تغيير خلال بقية عام 2026، مشيرة إلى ضيق هوامش صافي الفائدة لدى البنوك الصينية، بالتزامن مع انتقال الاقتصاد من مرحلة الانكماش إلى التضخم المعتدل.

العقارات والحكومات المحلية في قلب أزمة الائتمان

ويظل انكماش قطاع العقارات أحد أبرز العوامل المؤثرة في الطلب على الائتمان داخل الاقتصاد الصيني، إلى جانب الضغوط المالية التي تواجهها الحكومات المحلية.

ومع تراجع الاقتراض المرتبط بهذه القطاعات، تحتاج الصين إلى نمو أسرع في القطاعات الجديدة لتعويض الفجوة، إلا أن نمو الائتمان في الصناعات الناشئة لم يصل بعد إلى المستوى الكافي لتعويض التراجع في القطاعات التقليدية، وفق تصريحات محافظ بنك الشعب الصيني.

ويضع هذا الوضع البنوك الصينية أمام معادلة صعبة؛ إذ إن خفض الفائدة قد يدعم الطلب والاقتصاد، لكنه في الوقت نفسه يزيد الضغوط على هوامش صافي الفائدة وربحية القطاع المصرفي.

الفائدة الأمريكية تعيد رسم حسابات بكين

ولا يرتبط قرار الصين بالظروف المحلية فقط، إذ أصبحت تحركات الاحتياطي الفيدرالي عاملًا مهمًا في تحديد هامش المناورة أمام بنك الشعب الصيني.

فكلما اتسعت الفجوة بين أسعار الفائدة الأمريكية والصينية، زادت حساسية الأسواق لتحركات العملات وتدفقات رؤوس الأموال، ما يجعل التيسير النقدي الصيني أكثر تعقيدًا.

ومن ثم، فإن ثبات أسعار الإقراض الصينية عند 3% للقرض لأجل عام و3.50% للقرض لأجل خمس سنوات يعكس مزيجًا من الضغوط الداخلية والقيود الخارجية التي تحد من قدرة بكين على استخدام أسعار الفائدة بصورة أكثر توسعًا.

ماذا يعني القرار للاقتصاد والبنوك؟

يعكس تثبيت أسعار الفائدة للشهر السادس عشر أن بنك الشعب الصيني أصبح أكثر حذرًا في استخدام أدوات السياسة النقدية، خصوصًا مع استمرار ضعف الطلب على الائتمان والضغوط على ربحية البنوك.

وفي الوقت نفسه، لا يعني القرار إغلاق الباب أمام خفض الفائدة مستقبلًا؛ إذ قد يدفع ضعف النمو الاقتصادي أو تراجع الطلب المحلي بصورة أكبر صناع السياسة إلى إعادة تقييم موقفهم.

وتظل المعادلة الأساسية أمام القطاع المصرفي الصيني مرتبطة بقدرة الاقتصاد على توليد طلب جديد على الائتمان، دون أن يؤدي دعم هذا الطلب إلى ضغوط أكبر على هوامش أرباح البنوك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى