المركزي المصري يشدد قبضته على التمويل الدولاري.. موافقة مسبقة قبل إقراض شركات القطاع الخاص

وجّه البنك المركزي المصري البنوك العاملة في السوق بالحصول على موافقته المسبقة قبل منح الشركات الخاصة المتعاقدة مع الجهات الحكومية لتوريد السلع أو الخدمات أي تسهيلات ائتمانية بالعملة الأجنبية، أو تجديدها أو زيادتها، وفقًا لمصرفيين مطلعين.
وتوسع التعليمات الجديدة نطاق الرقابة على التمويلات الدولارية المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتزامات الجهات الحكومية، في خطوة تستهدف إحكام إدارة مخاطر العملة الأجنبية والحد من تراكم التزامات دولارية لا تقابلها تدفقات نقدية بالعملة نفسها.
رقابة مسبقة على التمويلات الدولارية
وكان البنك المركزي المصري قد ألزم البنوك في وقت سابق بالحصول على موافقته قبل منح أو تجديد أو زيادة الحدود الائتمانية بالعملة الأجنبية للجهات الحكومية وشركات قطاع الأعمال العام والشركات التي تمتلك الدولة أكثر من 50% من رأسمالها.
وتضيف التعليمات الجديدة الشركات الخاصة المرتبطة بعقود توريد مع الجهات الحكومية إلى نطاق المراجعة المسبقة، بما يعني إخضاع التمويلات الدولارية الخاصة بهذه الشركات لتقييم البنك المركزي قبل إقرارها أو تعديل حدودها الائتمانية.
ولا تعني الضوابط الجديدة وقف تمويل الشركات الخاصة المتعاملة مع الجهات الحكومية، وإنما تستهدف التأكد من قدرة التمويلات المقترحة على الوفاء بالالتزامات الدولارية المرتبطة بها.
الهدف.. منع تراكم التزامات بالدولار
وتستهدف التعليمات، بحسب مصرفيين، التأكد من امتلاك الجهات الحكومية المستفيدة من التمويل مصادر إيرادات وتدفقات نقدية بالعملة الأجنبية تكفي لسداد الالتزامات المستحقة عليها، وفقا للشرق بلومبرج
كما تستهدف الضوابط الحد من تراكم التزامات دولارية لا يقابلها مصدر واضح للنقد الأجنبي، بما يقلل المخاطر التي قد تنتقل إلى ميزانيات البنوك في حال حدوث ضغوط على سوق الصرف.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يواصل فيه البنك المركزي إدارة سوق الصرف وفق آلية مرنة، مع أهمية الحفاظ على موارد النقد الأجنبي وتوجيه استخدامها بما يتناسب مع الأولويات والالتزامات القائمة.
شركات القطاع الخاص تدخل دائرة المراجعة
وتكتسب التعليمات أهمية خاصة بالنسبة للشركات الخاصة التي تعتمد على عقود التوريد الحكومية في نشاطها، إذ قد تتطلب بعض هذه العقود تمويلًا بالعملة الأجنبية لشراء مستلزمات أو سلع أو خدمات من الخارج.
وبموجب الضوابط الجديدة، تصبح قدرة الشركة على توفير التدفقات الدولارية اللازمة للسداد عنصرًا أساسيًا في تقييم طلب التمويل، إلى جانب طبيعة العقد الحكومي والتزامات الجهة المتعاقدة ومصادر السداد.
ويعني ذلك أن البنوك لن تنظر فقط إلى الجدارة الائتمانية للشركة طالبة التمويل، وإنما إلى هيكل التدفقات النقدية المرتبطة بالتمويل الدولاري ومصدر العملة الأجنبية اللازمة لخدمة الدين.
ضغوط الجنيه ترفع أهمية القرار
وتأتي الخطوة في ظل تعرض الجنيه المصري لضغوط خلال الفترة الأخيرة، مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية وتجدد التوترات الجيوسياسية، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط وتأثيراتها المحتملة على احتياجات الاقتصاد من العملة الأجنبية.
وكان الجنيه قد فقد نحو 4% من قيمته أمام الدولار خلال يوليو الماضي، وفق البيانات الواردة في التقرير.
وتزامنت ضغوط سوق الصرف مع اتساع عجز الميزان التجاري السلعي لمصر بنسبة 50.7% خلال النصف الأول من العام الجاري، ليصل إلى نحو 22.6 مليار دولار، مقارنة بنحو 15 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
الواردات تضغط على الطلب الدولاري
وأظهرت البيانات ارتفاع الواردات السلعية المصرية بنسبة 21% على أساس سنوي خلال النصف الأول من العام إلى نحو 48 مليار دولار.
في المقابل، ارتفعت الصادرات بنسبة 2.9% فقط إلى نحو 25.5 مليار دولار، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين قيمة الواردات والصادرات خلال الفترة.
وتبرز هذه الأرقام أهمية إدارة الطلب على الدولار، خاصة في ظل الحاجة إلى توفير العملة الأجنبية لتمويل الواردات والالتزامات الخارجية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة الاقتصاد على تمويل الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية.
38 بنكًا في السوق المصرية
ويضم القطاع المصرفي المصري 38 بنكًا، بينها 9 بنوك حكومية، من أبرزها البنك الأهلي المصري وبنك مصر وبنك القاهرة.
وتفرض التعليمات الجديدة على البنوك تعزيز عمليات الفحص الائتماني للتمويلات الدولارية المرتبطة بالعقود الحكومية، مع إحالة الحالات الخاضعة للضوابط إلى البنك المركزي قبل منح التمويل أو زيادته أو تجديده.
المركزي يحاصر مخاطر الدولار من باب التمويل
تكشف التعليمات الجديدة عن اتجاه مصرفي أكثر تشددًا في إدارة مخاطر العملة الأجنبية، إذ لا تركز الرقابة فقط على حجم التمويل الدولاري، وإنما على مصدر السداد وقدرة النشاط الاقتصادي على توليد العملة الأجنبية.
وهذه النقطة هي الأهم بالنسبة للبنوك؛ فالقرض الدولاري لا يمثل مجرد تمويل لشركة، وإنما ينشئ التزامًا بعملة أجنبية يجب أن يقابله مصدر مناسب للسداد.
ومن ثم، فإن توسيع نطاق الموافقة المسبقة ليشمل شركات القطاع الخاص المتعاقدة مع الجهات الحكومية يعكس توجهًا نحو ضبط دورة التمويل الدولاري قبل نشوء الالتزام، وليس التعامل مع مخاطره بعد ظهوره.
وفي ظل ارتفاع احتياجات الاقتصاد المصري من العملة الأجنبية واتساع العجز التجاري، تبدو إدارة السيولة الدولارية ومخاطر التمويل بالعملات الأجنبية واحدة من الملفات الرئيسية أمام القطاع المصرفي خلال المرحلة المقبلة.







