رفع الفائدة الأمريكية يضغط على بنوك أوروبا واليابان.. والأسواق تترقب المزيد

دخلت الأسواق العالمية مرحلة جديدة من إعادة تسعير الفائدة، بعدما أقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بقيادة كيفن وارش، على أول رفع لأسعار الفائدة منذ أكثر من 3 سنوات، في خطوة زادت الضغوط على البنوك المركزية في أوروبا واليابان وبريطانيا.
وجاء القرار بالتنسيق الكامل بين أعضاء الفيدرالي، في إشارة إلى رغبة البنك المركزي الأمريكي في إظهار جبهة موحدة بشأن مكافحة التضخم، مع التأكيد على استقلالية السياسة النقدية.
الفيدرالي يرفع الفائدة.. والأسواق تستعد لزيادات جديدة
لم يقدم رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش توجيهات واضحة بشأن المسار المقبل لأسعار الفائدة، مكررًا موقفه القائم على عدم التركيز على مؤشر اقتصادي واحد عند اتخاذ قرارات السياسة النقدية.
لكن الأسواق بدأت بالفعل في إعادة تسعير المسار المتوقع للفائدة الأمريكية.
وتشير أسعار العقود الآجلة إلى احتمال تنفيذ 3 زيادات إضافية في أسعار الفائدة، رغم أن التوقعات الرسمية الحالية لا تتضمن سوى زيادة واحدة خلال العام.
وفي السياق ذاته، دعا بنك جولدمان ساكس إلى زيادة جديدة في أكتوبر، معتبرًا أن تنفيذ زيادات متتالية قد يكون ضروريًا لتسريع عودة التضخم إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%.
بنك إنجلترا أمام اختبار جديد
ويمتد تأثير القرار الأمريكي سريعًا إلى البنوك المركزية الأخرى، وفي مقدمتها بنك إنجلترا.
وتتجه توقعات الأسواق إلى إبقاء بنك إنجلترا على أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أن انقسام أعضاء لجنة السياسة النقدية مجددًا قد يجعل صياغة البيان والرسائل المصاحبة للقرار محل اهتمام كبير.
وتبحث الأسواق عن أي إشارات تميل إلى التشدد، خصوصًا ما قد يؤثر في احتمالات رفع الفائدة البريطانية خلال نوفمبر.
ويعكس ذلك حساسية السياسة النقدية البريطانية تجاه التحولات في الولايات المتحدة، خاصة مع استمرار الضغوط التضخمية وتغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة العالمية.
بنك اليابان يقترب من رفع الفائدة
وفي اليابان، تشير توقعات الأسواق إلى أن بنك اليابان سيرفع أسعار الفائدة يوم الجمعة.
ويأتي ذلك ضمن تحول أوسع في توقعات السياسة النقدية العالمية، بعدما بدأت الأسواق تتوقع عودة عدد من البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية قبل نهاية العام.
وتشمل هذه التوقعات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، إلى جانب بنوك مركزية في أستراليا ونيوزيلندا.
الدولار عند أعلى مستوى في 7 أسابيع
وأدى التحول في توقعات الفائدة الأمريكية إلى تحركات قوية في أسواق العملات والسندات.
وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ منتصف عام 2024، بالتزامن مع صعود الدولار إلى أعلى مستوى له في 7 أسابيع.
وفي المقابل، حصلت السندات الأمريكية طويلة الأجل على قدر من الدعم، مع عودة الفيدرالي إلى التركيز بصورة أكبر على مكافحة التضخم.
وظل عائد السندات الأمريكية القياسية لأجل 10 سنوات دون مستوى 5%، الذي يمثل مستوى نفسيًا مهمًا للأسواق.
الأسهم الآسيوية تستوعب صدمة الفائدة
ورغم التحول في توقعات السياسة النقدية، لم تشهد أسواق الأسهم الآسيوية موجة بيع واسعة، إذ ارتفعت غالبية البورصات الآسيوية خلال التعاملات.
كما تشير العقود الآجلة إلى ارتفاع متوقع للأسهم الأوروبية عند الافتتاح بنحو 0.5%.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك بنحو 0.6%، بينما صعدت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.5%.
وتعكس هذه التحركات محاولة المستثمرين استيعاب تشدد السياسة النقدية دون افتراض استمرار الصدمة بنفس القوة على أسواق الأسهم.
التضخم يعيد تشكيل خريطة الأسواق
وتواجه الأسواق العالمية معادلة أكثر تعقيدًا، مع استمرار التضخم عند مستويات أعلى من المستهدفات التي تسعى البنوك المركزية إلى تحقيقها.
وفي الوقت نفسه، تتعامل الاقتصادات الكبرى مع صدمات متكررة في جانب العرض، ما يزيد صعوبة تحقيق توازن بين السيطرة على التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
ومن ثم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة مجددًا لا يمثل مجرد قرار أمريكي منفصل، بل قد يتحول إلى عامل ضغط عالمي على تكلفة التمويل وحركة العملات والسندات وأسواق الأسهم.
البنوك المركزية أمام مرحلة أكثر تشددًا
وتكشف التحركات الأخيرة أن الأسواق بدأت تتعامل مع احتمال استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعًا.
ويعني ذلك ارتفاع تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومات والشركات والأفراد، فضلًا عن زيادة الضغوط على تقييمات الأصول المالية.
كما أن صعود الدولار قد يضيف ضغوطًا على الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخارجي أو تستورد السلع الأساسية المسعرة بالعملة الأمريكية.
وتصبح قرارات البنوك المركزية في هذه المرحلة مترابطة بصورة أكبر، إذ يمكن لتحرك الفيدرالي أن يؤثر في تدفقات رؤوس الأموال وأسعار العملات والعوائد في أسواق أخرى.
أهم التطورات التي تترقبها الأسواق
وتتجه الأنظار خلال تعاملات الخميس إلى 3 تطورات رئيسية قد تؤثر في حركة الأسواق.
أولًا، قرار بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة وما يحمله من إشارات حول الخطوات المقبلة.
ثانيًا، صدور القراءة النهائية لمؤشر أسعار المستهلكين في منطقة اليورو لشهر أغسطس، وما إذا كانت ستؤكد استمرار الضغوط التضخمية.
ثالثًا، طلبات إعانة البطالة الأسبوعية في الولايات المتحدة، باعتبارها أحد المؤشرات السريعة على اتجاهات سوق العمل الأمريكي.
وبذلك تدخل الأسواق العالمية مرحلة اختبار جديدة، عنوانها الرئيسي أسعار الفائدة.
فكلما ارتفعت احتمالات استمرار التشديد النقدي، زادت أهمية تحركات الدولار والعوائد الأمريكية في تحديد اتجاه السيولة العالمية، بينما ستبقى البنوك المركزية في أوروبا واليابان وبريطانيا أمام مهمة دقيقة لتحقيق التوازن بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو.









