محيي الكردوسي يكتب: « وزير التموين والبطاقة الحمراء »

في كرة القدم، الحكم هو من يشهر البطاقة الحمراء في وجه اللاعب الذي يخطئ. أما في الحياة، فالحكم الحقيقي هو المواطن، لأنه الوحيد الذي يدفع ثمن القرارات، ويعيش نتائجها كل يوم. وهو وحده القادر على أن يحكم إن كانت الأسواق مستقرة أم مضطربة، وإن كان المسؤول أدى واجبه أم أخفق في حماية الناس. واليوم، يبدو أن ملايين المواطنين يرفعون البطاقة الحمراء في وجه وزير التموين، بعدما تحولت رحلة شراء أبسط احتياجات البيت إلى معركة يومية مع الأسعار.
تدخل أي محل بقالة، ثم تخرج إلى المحل المجاور، فتجد السلعة نفسها بسعر مختلف. تنتقل إلى سوبر ماركت فتكتشف سعرًا ثالثًا، ثم إلى هايبر ماركت فتفاجأ بسعر رابع. حتى بائع الخضراوات أصبح له تسعيرته الخاصة. والغريب أن السلعة واحدة، والمصنع واحد، والمستورد واحد، وفي كثير من الأحيان يكون تاجر الجملة واحدًا أيضًا. إذن من أين جاءت كل هذه الأسعار؟ ولماذا أصبح كل تاجر يبيع بالسعر الذي يريده؟
هنا يبرز السؤال الذي ينتظر ملايين المواطنين إجابته: أين وزارة التموين؟ فالوزارة التي منحها القانون مسؤولية ضبط الأسواق وحماية المستهلك، يفترض أن تكون صمام الأمان في مواجهة فوضى الأسعار، لكن الواقع يقول إن المواطن ما زال يواجه السوق وحده، بينما تتسع الفجوة بين سعر وسعر، ومنطقة وأخرى، ومحل وآخر.
وعندما تعلن الوزارة عن ضبط مصنع مخالف أو تاجر محتكر، تمتلئ البيانات الرسمية بالحديث عن الحملات والضبطيات، رغم أن هذا ليس إنجازًا استثنائيًا، بل هو صميم عملها. فالوزارة لا تُحاسب بعدد المحاضر التي حررتها، وإنما بعدد الأسر التي استطاعت أن تشتري احتياجاتها بأسعار عادلة.
المواطن لا يقيس نجاح وزير التموين بعدد البيانات أو الجولات، وإنما يقيسه بسعر السكر والزيت والأرز عندما يدخل السوق. هذه هي بطاقة التقييم الحقيقية، وهي البطاقة الوحيدة التي لا يمكن تزييفها أو تجميلها بالتصريحات.
المواطن لا يريد أن يسمع عن حملة هنا، أو محضر هناك، بقدر ما يريد أن يدخل أي محل وهو مطمئن إلى أن هناك رقابة حقيقية تمنع الفوضى، وتواجه المغالاة، وتحميه من استغلال لا يجد له تفسيرًا. فليس من الطبيعي أن تتحول السلعة الواحدة إلى عدة أسعار، وليس من المنطقي أن تصبح فاتورة شراء الأسرة المصرية رهينة لاجتهاد كل تاجر، بينما تغيب القواعد التي تضبط السوق.
ولم تتوقف معاناة المواطن عند حدود ارتفاع الأسعار، بل امتدت إلى بطاقات التموين. فبينما تواصل الأسعار صعودها، خرج ما يقارب المليون مواطن من منظومة الدعم، ليجد كثيرون أنفسهم بين نارين؛ نار الغلاء، ونار فقدان بطاقة كانت تمثل الحد الأدنى من الحماية في مواجهة أعباء المعيشة. وهكذا أصبح المواطن يدفع ثمنين في وقت واحد؛ ثمن السوق، وثمن غياب شبكة الأمان.
وبعد دورتين متتاليتين في الحكومة، يبقى السؤال مشروعًا: ماذا تحقق في ملف التموين؟ هل أصبحت الأسواق أكثر انضباطًا؟ هل تراجعت الفروق الكبيرة بين أسعار السلعة الواحدة؟ هل شعر المواطن بأن هناك جهة تحميه من المغالاة والاستغلال؟ أم أن كل ما تغير هو عدد المؤتمرات، والجولات، والبيانات الرسمية؟
قد يكون الرد الجاهز أن الأسعار تخضع لآليات السوق، لكن السوق لا تعني الفوضى، ولا تعني أن يصبح لكل محل سعره الخاص، ولكل تاجر قانونه الخاص. فحتى في اقتصاد السوق، تبقى الرقابة واجبًا أصيلًا على الدولة، لضمان المنافسة العادلة، ومنع الاستغلال، وحماية المستهلك من الممارسات التي تفتح الباب أمام المغالاة غير المبررة.
معالي الوزير… المواطن لا ينتظر صورة جديدة، ولا جولة جديدة، ولا بيانًا جديدًا. المواطن يريد نتيجة يراها في فاتورة مشترياته، لا في صفحات المواقع أو الصحف أو على منصات التواصل الاجتماعي. يريد أن يشعر بأن الدولة كانت حاضرة في السوق قبل أن يصل إليه، لا أن تصل بعد أن ترتفع الأسعار ويقع الضرر.
وفي نهاية كل مباراة، يعلن الحكم قراره. أما في مباراة الأسواق، فقد أصدر المواطن حكمه بالفعل. فحين يصبح الغلاء هو العنوان اليومي، وحين تختلف أسعار السلعة الواحدة من محل إلى آخر دون ضابط، وحين يشعر المواطن أنه يقف وحده في مواجهة سوق مضطرب، فإن الرسالة تكون واضحة. إنها بطاقة حمراء يرفعها المواطن في وجه أداء لم ينجح في إعادة الانضباط إلى الأسواق، ولم يحقق الهدف الأول الذي ينتظره الناس من وزارة التموين… حماية لقمة العيش قبل أي شيء آخر.









