مصر ترسم قواعد ما بعد صندوق النقد.. سقف للدين واستثمارات القطاع الخاص إلى 60%

تستعد مصر لتطبيق قواعد مالية تستمر بعد انتهاء برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، تشمل تحديد سقوف للدين العام والخارجي، والإبقاء على حد أقصى للاستثمارات العامة، في تحرك يستهدف تعزيز الانضباط المالي وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص لقيادة الاستثمار.
وقال أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، في مقابلة على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، إن الحكومة تعتزم الإعلان عن حدود للدين العام والخارجي، إلى جانب حد أدنى للفائض الأولي بالموازنة، مع استمرار الالتزام بسقف الاستثمار العام بعد انتهاء البرنامج الحالي.
وتأتي هذه التوجهات مع اقتراب انتهاء برنامج التمويل مع الصندوق في ديسمبر 2026، وسط مساعٍ حكومية لترسيخ قواعد مالية تستمر بعد انتهاء الترتيبات التمويلية الحالية، وتدعم ثقة المستثمرين في مسار الاقتصاد المصري.
سقف للدين العام والخارجي بعد انتهاء برنامج الصندوق
تعتزم الحكومة إعلان حدود للدين العام والدين الخارجي، إلى جانب تحديد حد أدنى للفائض الأولي، وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات العامة قبل احتساب فوائد الدين.
وتعكس هذه الخطوة توجهًا نحو ربط إدارة المالية العامة بمستهدفات محددة، بدلًا من الاعتماد فقط على الالتزامات المرتبطة ببرنامج صندوق النقد.
وتستهدف موازنة العام المالي 2026-2027 تحقيق فائض أولي يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وخفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج بحلول يونيو 2027، وفق المستهدفات التي أعلنتها الحكومة.
لكن تفاصيل سقوف الدين المقترحة، بما يشمل مستوياتها وآليات مراجعتها والتعامل مع أي تجاوزات، لم تُعلن بعد في التصريحات الواردة بالمادة.
قانون الموازنة والبرلمان لضمان استمرار سقف الاستثمار العام
أكد رستم أن الحكومة ستواصل الالتزام بالحد الأقصى للاستثمارات العامة بعد انتهاء برنامج صندوق النقد، مشيرًا إلى أن هذا السقف مدرج ضمن قانون الموازنة، وأن تجاوزه يستلزم تعديل القانون.
ويمنح هذا الإطار التشريعي سقف الاستثمار العام دورًا يتجاوز كونه مستهدفًا ماليًا مرتبطًا ببرنامج دولي، إذ يصبح الالتزام به خاضعًا للقواعد المعتمدة في الموازنة والرقابة البرلمانية.
ويأتي ذلك في سياق سياسة تستهدف ضبط الإنفاق الاستثماري الحكومي، مع إعطاء أولوية للمشروعات الأكثر أهمية وعائدًا، وتقليص الضغوط على الموارد العامة.
استثمارات القطاع الخاص تستهدف 60% خلال العام المالي الحالي
في مقابل ضبط الاستثمارات العامة، تستهدف الحكومة رفع حصة القطاع الخاص إلى 59%–60% من إجمالي الاستثمارات خلال العام المالي 2026-2027، ثم زيادتها إلى نحو الثلثين بحلول العام المالي 2029-2030.
ويرتبط هذا الهدف بتوسيع دور الشركات الخاصة في تنفيذ المشروعات، وتخفيف الأعباء التمويلية عن الدولة، وتحسين قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وقال وزير التخطيط إن الحكومة ستواصل تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة والتخارج من الأنشطة التي ترى أن القطاع الخاص يستطيع القيام بدور أكبر فيها، بالتوازي مع العمل على تيسير إجراءات التراخيص.
وفي المقابل، ستظل الدولة مشاركة في قطاعات تعتبرها استراتيجية، من بينها أمن الطاقة والأمن الغذائي، بما يتيح لها التعامل مع المخاطر المرتبطة بهذه المجالات.
وتظل قدرة الحكومة على تحويل هذه المستهدفات إلى استثمارات فعلية مرتبطة بسرعة تنفيذ التخارجات، وتحسين بيئة المنافسة، وقدرة الشركات الخاصة على الدخول إلى المشروعات المستهدفة.
آلية ضمان بقيمة مليار دولار لتمويل البنية التحتية
ضمن خطة توسيع دور القطاع الخاص، تعمل مصر بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي وشركاء دوليين على إطلاق آلية لضمان تمويل مشروعات البنية التحتية بحجم مستهدف يبلغ نحو مليار دولار في ديسمبر المقبل، وفق تصريحات الوزير.
وتهدف الآلية إلى توفير حلول تمويلية طويلة الأجل للمشروعات التي ينفذها القطاع الخاص، مع التركيز على مجالات تحلية المياه ومعالجتها، والطاقة المتجددة، والنقل الأخضر.
وتعتمد الفكرة على استخدام الضمانات لتقليل المخاطر التي تواجه المستثمرين، وتحسين فرص الحصول على التمويل، بما يسمح بتنفيذ مشروعات البنية الأساسية دون تحميل الموازنة كامل تكلفة التمويل بصورة مباشرة.
وتجري الحكومة مناقشات مع مؤسسات تمويل وتنمية دولية وجهات استثمارية، من بينها مؤسسة التمويل الدولية وشركاء من بريطانيا وفرنسا والسويد والنرويج، للمساهمة في الآلية.
ومن شأن نجاح هذا النموذج أن يوسع استخدام الضمانات والتمويل الخاص في مشروعات البنية التحتية، مع إبقاء الالتزامات المالية للدولة تحت إدارة أكثر وضوحًا.
400 مليار جنيه من التسويات تعيد تشكيل دور بنك الاستثمار القومي
وفي مسار موازٍ لإعادة ترتيب الموارد العامة، قال رستم إن الحكومة أنهت أو وقعت تسويات لتشابكات مالية مرتبطة بـبنك الاستثمار القومي تجاوزت قيمتها 400 مليار جنيه خلال نحو سبعة أشهر، بما يعادل قرابة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تصريحاته.
وتتعلق هذه التشابكات بمديونيات والتزامات تاريخية بين جهات حكومية، يعود بعضها إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتراكمت عليها فوائد وغرامات تأخير.
وشملت التسويات آليات مختلفة، من بينها السداد النقدي وفق قدرات الجهات المدينة، ونقل أصول إلى البنك، وتسوية بعض الفوائد والغرامات، بهدف تعزيز مركزه المالي وإتاحة أصول يمكن استغلالها في مشروعات تنموية.
وتستهدف الحكومة إعادة توظيف بنك الاستثمار القومي بوصفه ذراعًا للتمويل التنموي طويل الأجل، بدلًا من اقتصار دوره على إدارة الالتزامات التاريخية بين الجهات العامة.
وأشار الوزير إلى إمكانية تطوير أدوات تمويل تستفيد من عوائد مرتبطة بالتضخم للحفاظ على القيمة الحقيقية لرأس المال، مع إتاحة آجال أطول للمشروعات التي تحتاج إلى فترات ممتدة لاسترداد استثماراتها، مثل مشروعات البنية الأساسية.
تحسين الخدمات وتوسيع الإنفاق التنموي
ويربط وزير التخطيط بين استمرار الانضباط المالي وقدرة الحكومة على إعادة توجيه الموارد إلى قطاعات الخدمات العامة، وفي مقدمتها التعليم والصحة والإسكان ومياه الشرب والصرف الصحي.
وفي هذا الإطار، تستهدف الحكومة توسيع تغطية التأمين الصحي الشامل من نحو 10 ملايين مواطن إلى 25 مليونًا بحلول 2030.
ويعني ذلك أن نجاح القواعد المالية المقترحة لن يُقاس فقط بمستويات الدين والعجز، بل أيضًا بقدرة الدولة على تحسين كفاءة الإنفاق وتوجيه الموارد إلى الأولويات التنموية، مع الحفاظ على الاستدامة المالية.
اختبار ما بعد صندوق النقد يبدأ في 2027
تدخل مصر مرحلة إعداد قواعدها المالية لما بعد برنامج صندوق النقد في وقت لا تزال فيه مستويات الدين واحتياجات التمويل العام من أبرز التحديات الاقتصادية.
وكان صندوق النقد قد أشار في مراجعته الأخيرة إلى استمرار الحاجة إلى إحراز تقدم أسرع في تقليص دور الدولة الاقتصادي وتنفيذ برنامج التخارج من الأصول، إلى جانب التعامل مع مستويات الدين واحتياجات التمويل المرتفعة.
وبين سقوف الدين والاستثمار العام، ومستهدفات رفع حصة القطاع الخاص، وآلية ضمان مشروعات البنية التحتية، تسعى الحكومة إلى بناء إطار مالي يمتد لما بعد انتهاء البرنامج الحالي.
ويبقى الاختبار الأساسي هو مدى وضوح القواعد الجديدة، وآليات الالتزام بها ومراجعتها، وقدرة القطاع الخاص على قيادة حصة أكبر من الاستثمار، بما يدعم النمو الاقتصادي دون زيادة الضغوط على المالية العامة.









