الدكتور أحمد النعماني يكتب: « لماذا اختار المركزي تثبيت الفائدة ؟ »
خبير اقتصادي / الأمين العام المساعد - أمانة العضوية المركزية - حزب مستقبل وطن

في قرار يترقبه المواطنون والأسواق والمستثمرون، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، في اجتماعها اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026، الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير، للمرة الخامسة على التوالي، ليظل سعر عائد الإيداع عند 19%، والإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم عند 19.50%.
لكن القرار لا يتعلق بسعر الفائدة وحده، وإنما يحمل رسائل مهمة بشأن التضخم والنمو وسعر الصرف والادخار والائتمان وتدفقات الاستثمار الأجنبي، فضلًا عن حركة الأموال الأجنبية قصيرة الأجل.
والسؤال هنا: لماذا لم يرفع البنك المركزي الفائدة رغم أن التضخم لا يزال أعلى من مستهدفاته؟ ولماذا لم يبدأ في خفضها؟
التثبيت.. قرار بين الرفع والخفض
يعكس قرار اليوم أن البنك المركزي لا يرى، في الوقت الحالي، ضرورة لإضافة تشديد نقدي جديد، لكنه في الوقت نفسه لم يصل إلى مرحلة تسمح له بالتعجل في خفض أسعار الفائدة.
فقد تراجع التضخم العام للحضر إلى 12.7% في أغسطس 2026، مقابل 13% في يوليو، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9%، مقابل 14.7% في الشهر السابق.
وتشير هذه التطورات إلى استمرار المسار النزولي للتضخم العام، لكن مع بقاء ضغوط التضخم الأساسي بحاجة إلى متابعة، وهو ما يدعم نهج التريث في اتخاذ الخطوة التالية.
ومن هنا جاء قرار «المركزي» في المنطقة الوسطى: لا رفع للفائدة في الوقت الحالي، ولا خفض قبل التأكد من أن مسار انخفاض التضخم مستدام.
لماذا لم يرفع البنك المركزي الفائدة؟
رفع الفائدة إحدى الأدوات المتاحة للبنك المركزي عندما يرى أن الضغوط التضخمية تستدعي مزيدًا من التشديد النقدي.
لكن رفعها في الوقت الحالي كان سيعني زيادة تكلفة الاقتراض والتمويل على الشركات والأفراد والمشروعات، في وقت تتحسن فيه بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي.
كما أن التضخم العام يتحرك في اتجاه نزولي، وهو ما يقلل الحاجة إلى زيادة جديدة في أسعار الفائدة، طالما لم تظهر موجة تضخمية متسارعة تستدعي تدخلًا إضافيًا.
وبمعنى أبسط، فإن البنك المركزي يرى أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال توفر موقفًا نقديًا متشددًا بما يكفي لمواصلة احتواء الضغوط التضخمية، ولذلك اختار عدم تحميل الاقتصاد تكلفة تمويل إضافية في الوقت الحالي. وقد أكد البنك في قراراته السابقة أن الحفاظ على هامش فائدة حقيقي موجب يظل جزءًا من تقييم موقف السياسة النقدية.
ولماذا لم يخفض الفائدة؟
لأن انخفاض التضخم لا يعني أن مهمة السياسة النقدية انتهت.
فمعدل التضخم العام البالغ 12.7% في أغسطس لا يزال أعلى من النطاق المستهدف للبنك المركزي، الذي يبلغ 7% ± نقطتين مئويتين في المتوسط خلال الربع الرابع من 2026. كما أن التضخم الأساسي ارتفع خلال أغسطس إلى 14.9%.
ويولي البنك المركزي أهمية كبيرة لتوقعات التضخم واستدامة الاتجاه النزولي، وليس فقط للرقم المسجل خلال شهر واحد.
ومن ثم، فإن خفض الفائدة الآن قد يكون متسرعًا إذا لم تتأكد استمرارية انخفاض التضخم وتراجع مصادر الضغوط السعرية خلال الفترة المقبلة.
الأموال الساخنة.. لاعب مهم في المعادلة
من الجوانب التي ينبغي النظر إليها عند تحليل قرار الفائدة حركة الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، أو ما يعرف بالأموال الساخنة.
وتتجه هذه الاستثمارات عادة إلى أدوات الدين المحلية بحثًا عن عائد مناسب، لكنها تتأثر بعوامل عدة، من بينها أسعار الفائدة وسعر الصرف والمخاطر العالمية.
ومن ثم، فإن بقاء سعر الإيداع عند 19% والإقراض عند 20% يحافظ على مستويات العائد الحالية على الأصول المقومة بالجنيه، وهو أحد العوامل التي تدخل في حسابات المستثمر الأجنبي.
لكن من المهم التأكيد أن تثبيت الفائدة لا يعني تلقائيًا دخول أموال أجنبية جديدة.
فالمستثمر لا ينظر إلى سعر الفائدة وحده، وإنما يضع في حساباته أيضًا سعر الصرف والتضخم والعائد الحقيقي والاستقرار الاقتصادي والمخاطر الجيوسياسية واتجاه أسعار الفائدة العالمية.
ومن ثم، فإن قرار اليوم يحافظ على أحد عناصر الجاذبية الاستثمارية، لكنه لا يمثل ضمانًا لتدفقات رأسمالية بعينها.
لماذا لا يرفع «المركزي» الفائدة فقط لجذب الأموال الأجنبية؟
لأن السياسة النقدية لا تستهدف جذب الأموال الساخنة وحدها.
فرغم أن رفع الفائدة قد يزيد جاذبية أدوات الدين المحلية، فإنه في المقابل يرفع تكلفة التمويل داخل الاقتصاد، ويزيد الأعباء على الشركات والمشروعات والأفراد.
وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا: كيف يحافظ البنك المركزي على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، دون زيادة تكلفة التمويل على الاقتصاد بصورة غير ضرورية؟
ويبدو أن قرار اليوم اتجه إلى الحفاظ على هذا التوازن، بدلًا من استخدام رفع الفائدة كأداة إضافية لجذب التدفقات الأجنبية.
ماذا يعني القرار للمواطن؟
بالنسبة للمواطن الذي لديه مدخرات، فإن تثبيت أسعار الفائدة الأساسية يعني استمرار البيئة الحالية للعوائد على أدوات الادخار، مع اختلاف العائد الفعلي بحسب نوع الوعاء المصرفي والمنتج الذي يختاره العميل.
أما المواطن الذي يحتاج إلى الاقتراض، فتكلفة التمويل ستظل مرتفعة نسبيًا، لأن أسعار الفائدة الأساسية لم تنخفض.
وبالنسبة لأصحاب المشروعات، فإن عدم رفع الفائدة يعني عدم إضافة تكلفة جديدة على التمويل المصرفي نتيجة قرار اليوم.
أما التأثير الأهم على المواطن، فلن يرتبط بسعر الفائدة وحده، وإنما بمسار التضخم وأسعار السلع وسعر الصرف؛ إذ إن استمرار انخفاض التضخم من شأنه دعم القوة الشرائية للجنيه تدريجيًا.
التثبيت يدعم الاستقرار.. لكنه ليس نهاية الطريق
يمثل قرار اليوم خامس تثبيت متتالٍ منذ خفض أسعار الفائدة في فبراير 2026 بمقدار 100 نقطة أساس، عندما خفض البنك المركزي سعر الإيداع إلى 19% والإقراض إلى 20%.
ويعكس استمرار التثبيت انتقال السياسة النقدية إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على البيانات، حيث ستحدد تطورات التضخم وسعر الصرف والنمو والتدفقات الخارجية مساحة التحرك المقبلة.
ومن أبرز المؤشرات التي سيواصل البنك المركزي مراقبتها:
- اتجاه التضخم العام والأساسي.
- توقعات التضخم.
- تطورات سعر الصرف.
- تدفقات النقد الأجنبي.
- حركة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين.
- معدلات النمو والنشاط الاقتصادي.
- أسعار الطاقة والسلع عالميًا.
- التطورات الجيوسياسية.
ماذا عن الخطوة المقبلة؟
من المبكر اعتبار قرار اليوم تمهيدًا مؤكدًا لخفض أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل.
فالخطوة المقبلة ستتحدد وفق البيانات والتطورات الاقتصادية التي ستظهر خلال الفترة المقبلة، وهو ما يتسق مع تأكيد البنك المركزي أن قراراته ستظل مرتبطة بمسار التضخم وتوقعاته وتوازن المخاطر.
فإذا استمر التضخم في الانخفاض بصورة مستقرة، وتحسنت المؤشرات الخارجية، واستقرت سوق الصرف، فقد تتسع مساحة التحرك نحو خفض تدريجي للفائدة.
أما إذا ظهرت ضغوط تضخمية جديدة، فقد يستمر البنك المركزي في موقفه الحالي أو يعيد تقييم موقف السياسة النقدية وفقًا لتطورات الاقتصاد.
الخلاصة
يمكن وصف قرار البنك المركزي اليوم بأنه «تثبيت محسوب».
فـ«المركزي» لم يرفع الفائدة لأنه لم يرَ، في ضوء البيانات الحالية، حاجة إلى إضافة تشديد نقدي جديد، وفي الوقت نفسه لم يخفضها لأنه يريد التأكد من استمرار تراجع التضخم وانحسار الضغوط التي قد تعرقل مساره النزولي.
أما بالنسبة للأموال الساخنة، فإن تثبيت الفائدة عند مستوياتها الحالية يحافظ على جاذبية نسبية للأصول المقومة بالجنيه، لكنه لا يعني وحده ضمان دخول هذه الأموال أو بقائها.
وفي النهاية، فإن نجاح السياسة النقدية لا يقاس بسعر الفائدة وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة متوازنة بين خفض التضخم، واستقرار سعر الصرف، ودعم النمو، والحفاظ على جاذبية الاستثمار، والوصول تدريجيًا إلى تكلفة تمويل أكثر ملاءمة للاقتصاد والمواطن.









