الصينيون يهربون من الذهب إلى الذهب.. 339 طنًا من السبائك والعملات في 6 أشهر

لم يتراجع إقبال الصينيين على الذهب رغم الأسعار المرتفعة، لكنه غيّر اتجاهه بصورة لافتة؛ إذ ارتفع إجمالي استهلاك الذهب في الصين بنسبة 1.23% خلال النصف الأول من 2026 إلى 511.41 طنًا، بينما انهار الطلب على المجوهرات بنسبة 33.88%، في الوقت الذي قفز فيه استهلاك السبائك والعملات الذهبية بنسبة 28.42% إلى 339.34 طنًا.
وتكشف الأرقام تحولًا واضحًا في سلوك المستهلك الصيني، من شراء الذهب لأغراض الزينة إلى التعامل معه بصورة أكبر باعتباره أداة استثمار وادخار، في وقت تواصل فيه الأسعار التحرك عند مستويات تاريخية مرتفعة.
وبحسب بيانات جمعية الذهب الصينية، بلغ استهلاك الذهب في النصف الأول من 2025 نحو 505.21 طنًا، ما يعني أن إجمالي الطلب ارتفع بأكثر من 6 أطنان خلال عام واحد، رغم التراجع الحاد في قطاع المجوهرات.
السبائك تكسب المعركة أمام المجوهرات
كان التحول الأكبر داخل سوق الذهب الصيني في الطلب الاستثماري ، فقد ارتفع استهلاك السبائك والعملات الذهبية إلى 339.34 طنًا خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بزيادة 28.42% على أساس سنوي.
في المقابل، هبط استهلاك المجوهرات الذهبية إلى 132.13 طنًا، بانخفاض 33.88%.
وتشير هذه الفجوة إلى أن ارتفاع أسعار الذهب لم يخرج المستهلك الصيني من السوق، لكنه دفعه إلى البحث عن صورة أقل ارتباطًا بتكاليف التصنيع والمصنعية وأكثر ارتباطًا بالقيمة الاستثمارية للمعدن نفسه.
السعر المرتفع يغير خريطة الطلب
أوضحت جمعية الذهب الصينية أن تقلبات أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، إلى جانب التغيرات في السياسات الضريبية المحلية المرتبطة بالذهب، أسهمت في إعادة تشكيل أنماط الشراء.
وكان تأثير الأسعار أكثر وضوحًا في قطاع المجوهرات، حيث أدى ارتفاع أسعار التجزئة إلى إحجام المستهلكين عن الشراء.
في المقابل، استفادت السبائك والعملات من الطلب الاستثماري، خاصة مع لجوء مستثمرين إلى الشراء خلال التراجعات السعرية.
وتقول الجمعية إن عمليات الشراء عبر القنوات المصرفية المحلية للسبائك أصبحت أحد محركات الطلب الاستثماري، وهو اتجاه يعزز الدور الذي تلعبه البنوك الصينية في سوق الذهب للأفراد.
الإنتاج الصيني يتراجع.. والاستيراد يعوض جزءًا من الفجوة
في الجانب الآخر من السوق، انخفض إنتاج الصين من الذهب من المواد الخام المحلية بنسبة 14.62% على أساس سنوي إلى 152.91 طنًا خلال النصف الأول من 2026.
وعزت الجمعية هذا التراجع إلى حملات التفتيش على السلامة، وعمليات التصحيح، وإجراءات الحوكمة البيئية في مناطق الإنتاج الرئيسية، ما أدى إلى توقف مؤقت لبعض المناجم الكبرى.
وفي المقابل، ارتفع إنتاج الذهب من المواد الخام المستوردة بنسبة 4.62% إلى 77.08 طنًا.
وبذلك بلغ إجمالي إنتاج الذهب الصيني من المواد الخام المحلية والمستوردة نحو 229.99 طنًا، بانخفاض 9.01% عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: الطلب الاستثماري على الذهب يرتفع بقوة في الوقت الذي يتراجع فيه الإنتاج المحلي.
الصين تشتري الذهب عند الهبوط
يتوافق هذا التحول مع رؤية ويليم ميدلكوب، مؤسس صندوق متخصص في استثمارات السلع ومؤلف كتاب «إعادة الضبط الكبرى»، الذي يرى أن الصين أصبحت مشترية نشطة للذهب خلال فترات انخفاض الأسعار.
وقال ميدلكوب إن الصين تفضل في الوقت الحالي شراء الذهب عند التراجعات، معتبرًا أن إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي عملية تدريجية وليست حدثًا مفاجئًا.
وأضاف أن النمط نفسه يظهر في تعامل الصين مع سلع أخرى، من بينها النحاس والنفط.
ويرى ميدلكوب أن الصين تنظر إلى امتلاك الذهب المادي باعتباره عنصرًا مهمًا في استراتيجية أوسع، وليس مجرد أداة للمضاربة قصيرة الأجل.
لماذا تهم البنوك هذه التحولات؟
التحول في الطلب الصيني يحمل أهمية مباشرة للقطاع المصرفي؛ لأن البنوك أصبحت قناة رئيسية لبيع السبائك والعملات الذهبية للأفراد.
وبالتالي، فإن استمرار انتقال الطلب من المجوهرات إلى الذهب الاستثماري قد يدفع المؤسسات المالية إلى توسيع منتجات الذهب، وخدمات الحفظ، وحسابات الذهب، ومنتجات الادخار المرتبطة بالمعدن النفيس.
كما أن ارتفاع الطلب على الذهب المادي يعزز أهمية إدارة المخاطر والتسوية والحفظ، خصوصًا مع ارتفاع قيمة المراكز التي يحتفظ بها الأفراد والمؤسسات.
الصين بين الذهب الورقي والمعدن الحقيقي
وفي سياق متصل، أوقفت بنوك صينية كبرى، من بينها بنك آي سي بي سي، تداول الذهب للأفراد في بورصة شنغهاي للذهب بعد التسوية التي تمت في 24 يوليو، وفقًا للإشعارات الصادرة عن البنوك ووسائل الإعلام المالية الصينية.
ويرى ميدلكوب أن هذه التحركات قد تكون مرتبطة بمحاولة توجيه المدخرين نحو امتلاك الذهب المادي بدلًا من التركيز على التداول الورقي، وليس بالضرورة إجراءً يستهدف التضييق على المستثمرين.
وتظل هذه القراءة تحليلًا من جانب ميدلكوب، ولا تعني أن البنوك أو السلطات الصينية أعلنت رسميًا أن هذا هو الهدف من الإجراءات.
الذهب الصيني يدخل مرحلة مختلفة
تكشف أرقام النصف الأول من 2026 أن سوق الذهب الصيني لا يمر بمجرد دورة ارتفاع في الطلب، بل يشهد تغييرًا في طبيعة الطلب نفسه.
فالمستهلك الذي كان يشتري الذهب في صورة مجوهرات أصبح أكثر ميلًا إلى السبائك والعملات، بينما تدفع الأسعار المرتفعة قطاع المجوهرات إلى التراجع.
وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض الإنتاج المحلي إلى زيادة أهمية تدفقات الذهب من المواد الخام المستوردة، بينما تواصل البنوك لعب دور محوري في توفير أدوات الذهب الاستثماري.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الصين تزداد ارتباطًا بالذهب كأداة ادخار واستثمار واحتياط، في وقت يتسع فيه النقاش عالميًا حول مستقبل النظام النقدي ودور المعدن النفيس فيه.
ماذا يعني ذلك لسوق الذهب العالمي؟
أهمية الصين لا تتوقف عند حدود سوقها المحلية؛ فهي من أكبر أسواق الذهب عالميًا، ولذلك فإن تغير طبيعة الطلب فيها يمكن أن ينعكس على حركة الأسعار وتوازنات السوق الدولية.
واللافت أن الطلب الاستثماري الصيني يزداد حتى مع الأسعار المرتفعة، ما يعني أن جزءًا من المستثمرين لا ينظر إلى السعر الحالي باعتباره عائقًا نهائيًا، بل يتعامل مع التراجعات باعتبارها فرصًا لإعادة بناء المراكز.
وهذا السلوك قد يصبح عامل دعم مهمًا للذهب إذا استمر، خصوصًا في ظل استمرار توجه البنوك المركزية إلى زيادة احتياطيات المعدن النفيس.
الذهب الصيني لم يفقد بريقه، لكنه غيّر شكله.
511.41 طنًا هو إجمالي الاستهلاك خلال النصف الأول من 2026، لكن الرقم الأكثر دلالة هو 339.34 طنًا من السبائك والعملات مقابل 132.13 طنًا فقط من المجوهرات.
وهكذا يبدو أن المستهلك الصيني أصبح يشتري الذهب بصورة أقل للزينة وأكثر للتحوط والادخار والاستثمار، وهي إشارة تستحق المتابعة من البنوك والمستثمرين وأسواق المعادن النفيسة عالميًا.









