النفط يشتعل مجددًا.. هرمز والعقوبات الأمريكية يهددان بإشعال الأسعار

ارتفعت أسعار النفط للأسبوع الثاني على التوالي، وسط تصاعد المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات العالمية مع استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، بينما يستعد المتداولون للكشف عن تفاصيل حزمة عقوبات أمريكية جديدة وصفتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بأنها الأشد في تاريخها.
وأغلقت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أكتوبر عند 93.93 دولارًا للبرميل، بينما استقر خام غرب تكساس الوسيط عند 86.64 دولارًا. وبهذه المكاسب، ارتفع برنت بأكثر من 12% خلال أسبوعين، فيما زاد خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 10%.
مضيق هرمز.. كلمة السر في سوق النفط
لم يعد مضيق هرمز مجرد ملف جيوسياسي بالنسبة لأسواق الطاقة، بل تحول إلى أحد أهم محددات أسعار النفط عالميًا.
فالملاحة التجارية عبر الممر الحيوي لا تزال عند مستويات منخفضة مقارنة بما قبل النزاع، في وقت تؤكد فيه إيران أن المضيق سيظل مغلقًا فعليًا حتى تنفيذ بنود اتفاق السلام المؤقت الذي انتهت صلاحيته.
وتراقب الأسواق هذه التطورات بحذر، لأن أي تعطيل ممتد لحركة ناقلات النفط في المنطقة يمكن أن يرفع علاوة المخاطر على الأسعار بصورة سريعة.
وتكمن حساسية المضيق في دوره المحوري في حركة تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل استمرار الاضطرابات فيه مصدر تهديد مباشر لسلاسل الإمداد وأسعار الوقود.
ترامب يفتح جبهة اقتصادية جديدة ضد إيران
زاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الضغوط على طهران، معلنًا توجهه نحو تصعيد الحرب الاقتصادية ضد إيران.
وتترقب الأسواق يوم الاثنين لمعرفة تفاصيل العقوبات الجديدة التي وصفها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأنها «أقسى العقوبات في التاريخ».
وقال بيسنت إن الإجراءات المقبلة تستهدف تنفيذ أكبر عملية عزل اقتصادي منسقة، بالتزامن مع استمرار الحصار المفروض على إيران.
وتحاول الإدارة الأمريكية استخدام العقوبات والضغوط التجارية لإجبار طهران على قبول اتفاق سلام، لكن رد إيران حتى الآن يشير إلى عدم استعدادها لتقديم تنازلات كبيرة تحت الضغط.
الصين.. الحلقة الأصعب في العقوبات
تمثل الصين أحد أكبر التحديات أمام قدرة واشنطن على تنفيذ حملة اقتصادية شاملة ضد إيران.
فبكين تعد مشتريًا رئيسيًا للنفط الإيراني، وبالتالي فإن تشديد العقوبات على صادرات الخام الإيرانية قد يضع الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع تقليص صادرات إيران من دون إحداث صدمة أكبر في سوق النفط؟
وتراقب شركات الطاقة والمتعاملون في السوق مدى قدرة العقوبات الجديدة على التأثير في التدفقات الفعلية للخام، وليس فقط في الأسعار المعلنة أو العقود الآجلة.
النفط يقترب من حاجز 100 دولار
قفزة برنت بأكثر من 12% خلال أسبوعين تعني أن السوق بات أقرب بصورة واضحة إلى حاجز 100 دولار للبرميل.
لكن الوصول إلى هذا المستوى لن يعتمد على التوترات السياسية وحدها.
فالأسواق تحتاج إلى رؤية انخفاض فعلي في الإمدادات أو استمرار اضطرابات الشحن لفترة طويلة حتى تتحول علاوة المخاطر الحالية إلى موجة صعود أكثر استدامة.
ويرى محللو دويتشه بنك أن مخاوف حدوث صدمة في قطاع الطاقة لا تزال تهيمن على الأسواق، وهو ما يفسر استمرار ارتفاع أسعار النفط رغم عدم اتضاح الصورة النهائية بشأن العقوبات الأمريكية الجديدة.
هل تستطيع إيران تحمل العقوبات الجديدة؟
السؤال الأهم بالنسبة للأسواق ليس فقط حجم العقوبات، وإنما قدرتها على تغيير سلوك إيران وتدفقات النفط.
فالولايات المتحدة سبق أن فرضت قيودًا واسعة على صادرات النفط الإيرانية، كما أبقت على الحصار البحري المفروض على إيران.
ومن ثم فإن أي إجراءات جديدة ستحتاج إلى استهداف قنوات التصدير والتمويل والشحن بصورة أكثر صرامة حتى يكون لها تأثير ملموس على الكميات التي تصل إلى الأسواق العالمية.
وفي المقابل، قد تحاول طهران الاعتماد بصورة أكبر على المشترين الآسيويين وشبكات التجارة البديلة لتخفيف تأثير العقوبات.
واشنطن تحاول احتواء أسعار البنزين محليًا
في الوقت الذي تضغط فيه الإدارة الأمريكية على إيران، تتحرك واشنطن في الاتجاه الآخر لتقليل تأثير ارتفاع النفط على المستهلك الأمريكي.
وأعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية، بالتشاور مع وزارة الطاقة، إصدار إعفاء طارئ مؤقت يتعلق بأسعار الوقود.
وتعكس هذه الخطوة حساسية الإدارة الأمريكية تجاه ارتفاع أسعار البنزين، خصوصًا أن استمرار صعود النفط يمكن أن ينتقل سريعًا إلى أسعار الوقود ويزيد الضغوط التضخمية على الأسر والشركات.
وهنا تواجه واشنطن معادلة صعبة: تشديد الضغط على إيران من ناحية، ومنع ارتفاع أسعار الطاقة في السوق الأمريكية من ناحية أخرى.
أزمة النفط تدخل مرحلة جديدة
حتى الآن، لم تقدم التطورات السياسية أي إشارة قوية إلى انفراجة قريبة في المواجهة الأمريكية الإيرانية.
وفي ظل استمرار ضعف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتصعيد العقوبات الأمريكية، ورفض إيران التهديدات الجديدة، تظل أسواق النفط معرضة لمزيد من التقلبات.
وتصبح الأيام المقبلة مهمة بصورة خاصة، لأن تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة ستحدد ما إذا كانت الأزمة ستنتقل من مرحلة التهديدات السياسية إلى مرحلة التأثير المباشر في صادرات النفط.
السيناريو الأخطر.. ماذا لو طال إغلاق هرمز؟
السيناريو الذي تخشاه الأسواق هو استمرار انخفاض حركة الناقلات عبر المضيق لفترة أطول.
ففي هذه الحالة لن تكون القضية مرتبطة فقط بسعر النفط، وإنما بتوافر الخام نفسه، وتكلفة الشحن والتأمين، وقدرة المصافي العالمية على الحصول على الإمدادات في المواعيد المعتادة.
وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع علاوة المخاطر بصورة أكبر، خصوصًا إذا تزامن مع انخفاض المخزونات أو تعطل مصادر إمداد أخرى.
أما إذا حدثت انفراجة سياسية وعادت حركة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية، فمن المتوقع أن تتراجع علاوة المخاطر التي أضيفت إلى أسعار النفط خلال الأسابيع الأخيرة.
النفط أمام اختبار 100 دولار
أصبح مستوى 100 دولار للبرميل حاضرًا مجددًا في حسابات المستثمرين، بعد أن ارتفع برنت بأكثر من 12% خلال أسبوعين.
لكن الوصول إليه ليس نتيجة حتمية.
فالسوق يحتاج إلى استمرار الاضطرابات أو ظهور نقص ملموس في الإمدادات حتى يتحول الصعود الحالي إلى موجة جديدة أكثر قوة.
وبالتالي، فإن مضيق هرمز والعقوبات الأمريكية الجديدة هما مفتاح اتجاه النفط خلال المرحلة المقبلة.
فإذا بقي المضيق مغلقًا فعليًا واستمرت العقوبات في الضغط على صادرات إيران، فقد يواصل النفط الصعود ويقترب برنت من حاجز 100 دولار.
أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في إعادة فتح الممر الملاحي وتهدئة التوترات، فقد تبدأ علاوة المخاطر في الانحسار، وهو ما سيعيد السوق إلى التركيز على أساسيات العرض والطلب بدلًا من المخاطر الجيوسياسية.









