بنك يو بي إس يصدم البنوك المركزية: تجاهلوا توقعات التضخم لدى المستهلكين والشركات

دخلت توقعات التضخم في الولايات المتحدة والأسواق العالمية مرحلة جديدة من الجدل، بعدما دعا بنك يو بي إس البنوك المركزية إلى عدم الاعتماد بصورة رئيسية على استطلاعات المستهلكين والشركات عند رسم مسار السياسة النقدية، والتركيز بدلًا من ذلك على توقعات التضخم المستخلصة من الأسواق المالية.

وتأتي دعوة يو بي إس في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بأكثر من 71% منذ بداية العام، بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في نهاية فبراير، وهو ما أحدث صدمة تضخمية وأعاد التضخم إلى صدارة حسابات البنوك المركزية.

النفط يعيد التضخم إلى صدارة المشهد

ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي للنفط، بأكثر من 71% منذ بداية العام، وسط تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة المخاوف بشأن انتقال الصدمة إلى أسعار السلع والخدمات، بما يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيدًا بين السيطرة على التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي.

وفي الولايات المتحدة، أظهرت أحدث البيانات الحكومية ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 3.4% على أساس سنوي في أغسطس، بينما ارتفع مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 5.4% سنويًا.

وتدخل مكونات من مؤشري أسعار المستهلكين والمنتجين في حساب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي.

وظل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي أعلى من هدف التضخم طويل الأجل للاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لمدة 65 شهرًا متتالية.

يو بي إس يشكك في قيمة توقعات التضخم

ويرى بول دونوفان، كبير الاقتصاديين في بنك يو بي إس، أن توقعات التضخم لا تحمل أهمية اقتصادية في حد ذاتها، ما لم تتحول إلى سلوك فعلي لدى المستهلكين والشركات والمستثمرين.

وأوضح أن أهمية توقعات المستهلكين تظهر عندما تؤثر في قراراتهم الاقتصادية، مثل التفاوض على الأجور أو تغيير أنماط الإنفاق استجابة لتوقعات ارتفاع الأسعار.

وينطبق الأمر نفسه على الشركات؛ إذ تصبح توقعاتها أكثر أهمية إذا كانت قادرة على تعديل الأسعار أو تغيير استراتيجيات التسعير استعدادًا لارتفاع تكاليف الإنتاج.

لكن دونوفان يرى أن المشكلة تبدأ عندما تتعامل البنوك المركزية مع نتائج الاستطلاعات باعتبارها مؤشرًا قائمًا بذاته على التضخم المستقبلي.

الأسواق المالية أهم من استطلاعات المستهلكين

وبحسب رؤية يو بي إس، فإن توقعات المستثمرين بشأن التضخم تحمل وزنًا أكبر، لأن المستثمرين يستطيعون تحويل توقعاتهم إلى قرارات مالية بسرعة أكبر.

ويمكن لهذه التوقعات أن تؤثر في الأسعار النسبية للأصول، وكذلك في التكلفة الحقيقية لرأس المال داخل الاقتصاد.

وبالتالي، فإن تسعير الأسواق المالية قد يقدم للبنوك المركزية إشارة أكثر مباشرة حول كيفية انعكاس مخاطر التضخم على قرارات التمويل والاستثمار.

ويرى دونوفان أن توقعات المستثمرين تبدو في الوقت الحالي أكثر جدية من توقعات المستهلكين والشركات، بسبب قدرتهم الأسرع على تحويل تلك التوقعات إلى قرارات اقتصادية ومالية.

توقعات المستهلكين ترتفع إلى 4.6%

وأظهر أحدث تقرير لجامعة ميشيجان حول ثقة المستهلك ارتفاع توقعات التضخم للعام المقبل إلى 4.6% في سبتمبر، مقابل 4.0% في أغسطس.

ويمثل هذا المستوى أعلى قراءة منذ يونيو، بما يعكس ارتفاع القلق لدى المستهلكين بشأن مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة.

لكن يو بي إس يحذر من التعامل مع هذه القراءة باعتبارها دليلًا مباشرًا على أن التضخم سيتجه تلقائيًا إلى الارتفاع.

فالعبرة، وفق هذه الرؤية، تكمن في ما إذا كانت الأسر ستترجم توقعاتها إلى طلبات أجور أعلى أو زيادة في الإنفاق أو تغييرات أخرى في السلوك الاقتصادي.

وول ستريت تعيد تسعير الفائدة

وتزامنت بيانات التضخم الأمريكية مع تحول واضح في توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية.

وأدت بيانات مؤشر أسعار المستهلك والمنتج إلى زيادة توقعات وول ستريت بشأن رفع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس.

وانعكس ذلك على أسواق الأسهم والسندات، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، في الوقت الذي تترقب فيه الأسواق قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار أسعار الفائدة.

وتكشف هذه التطورات عن أهمية الأسواق المالية في نقل توقعات التضخم إلى أسعار الأصول وتكاليف التمويل بصورة فورية.

التضخم لا يُقاس بما يقوله الناس فقط

ويرتكز موقف يو بي إس على فكرة اقتصادية أساسية: القول إن التضخم سيرتفع لا يعني بالضرورة أن التضخم سيرتفع بالفعل.

فإذا توقع المستهلك ارتفاع الأسعار، لكنه لم يغير إنفاقه أو سلوكه في سوق العمل، فإن التأثير الاقتصادي لهذه التوقعات يظل محدودًا.

والأمر نفسه ينطبق على الشركات التي قد تتوقع ارتفاع التكاليف، لكنها لا تمتلك القدرة على تمريرها بالكامل إلى المستهلكين.

لذلك يرى دونوفان أن البنوك المركزية يجب أن تركز على المؤشرات التي تكشف ما يفعله المشاركون في الاقتصاد والأسواق، وليس فقط ما يقولون إنهم يتوقعونه.

لماذا يفضل يو بي إس توقعات المستثمرين؟

تتمثل نقطة القوة الرئيسية في توقعات المستثمرين في قدرتها على التأثير المباشر والسريع في تكلفة رأس المال.

فعندما ترتفع توقعات التضخم، يمكن للمستثمرين إعادة تسعير السندات والعملات والأسهم والأصول الأخرى، وهو ما ينعكس بدوره على العوائد وتكاليف الاقتراض.

وقد يختلف المستثمرون الذين ينظرون إلى التضخم من منظور الاقتصاد الكلي عن المقترضين الذين يتعاملون مع التضخم من واقع تكاليف شركاتهم أو دخولهم.

ويرى يو بي إس أن هذا الاختلاف قد يؤدي إلى تقييد الاستثمار إذا ارتفعت تكلفة رأس المال نتيجة تشدد الأسواق حتى في ظل عدم تحول توقعات المستهلكين والشركات إلى سلوك تضخمي فعلي.

الرسالة إلى البنوك المركزية

وخلص دونوفان إلى أن البنوك المركزية ينبغي لها، في الظروف الحالية، تقليل أهمية توقعات التضخم المستخلصة من استطلاعات المستهلكين والشركات، وإيلاء اهتمام أكبر لتوقعات الأسواق المالية عند صياغة السياسة النقدية.

وتأتي هذه الرؤية في توقيت حساس، مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتجاوز التضخم المستهدف للاحتياطي الفيدرالي، إلى جانب زيادة حساسية الأسواق لأي إشارة تتعلق بأسعار الفائدة.

لكن تبني هذه الرؤية لا يعني أن استطلاعات المستهلكين والشركات أصبحت بلا قيمة؛ إذ تظل مهمة عندما تتحول التوقعات إلى سلوك فعلي يؤثر في الأجور والأسعار والإنفاق والاستثمار.

وتبقى المسألة الأساسية أمام البنوك المركزية هي التمييز بين «توقع التضخم» و«التضخم الذي يغير السلوك الاقتصادي»، وهي نقطة قد تصبح أكثر أهمية مع استمرار صدمات أسعار الطاقة وتزايد تقلبات الأسواق المالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى