الحرب تضرب التمويل المستدام في الشرق الأوسط.. تراجع الإصدارات 24%

تلقى سوق التمويل المستدام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضربة قوية خلال النصف الأول من 2026، مع تراجع إصدارات السندات المستدامة بنسبة 24%، تحت تأثير تداعيات الصراع الخليجي وارتفاع أسعار الطاقة وعوائد السندات وتشديد الأوضاع المالية.
ويأتي هذا التراجع بعدما تحولت المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مراكز التمويل المستدام عالميًا، إذ ارتفع إصدار السندات المستدامة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 7 أضعاف منذ عام 2020، ليصل إلى 35.1 مليار دولار خلال عام 2025، وفقًا لبيانات «بلومبرج إنتليجنس».
7 مليارات دولار فقط في النصف الأول
بدأ سوق التمويل المستدام عام 2026 بقوة، بعدما بلغت قيمة الصفقات نحو 5 مليارات دولار خلال الربع الأول، منها 4 مليارات دولار في يناير وحده.
لكن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية أدت إلى تباطؤ واضح في نشاط السوق، لتنخفض قيمة الصفقات المستدامة إلى نحو 7 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام، مقابل 10 مليارات دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
ويعكس ذلك تحولًا ملحوظًا في شهية أسواق رأس المال، مع ارتفاع تكلفة التمويل وتزايد حالة عدم اليقين التي صاحبت تطورات المنطقة وأسواق الطاقة.
«ستاندرد آند بورز» تخفض توقعاتها
ودفعت التطورات الأخيرة وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى خفض توقعاتها لإصدارات السندات المستدامة في المنطقة خلال 2026.
وتتوقع الوكالة حاليًا أن تتراوح الإصدارات بين 15 و20 مليار دولار، مقارنة بتوقعات سابقة تراوحت بين 20 و25 مليار دولار.
كما امتد التباطؤ إلى الصكوك المستدامة، التي بلغ إجمالي إصداراتها نحو 2.1 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 5.1 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.
البنوك تستحوذ على 87% من التمويل المستدام
وتبرز البنوك باعتبارها المحرك الرئيسي لسوق التمويل المستدام في الشرق الأوسط، بعدما استحوذت على نحو 80% من إجمالي قيمة الإصدارات الإقليمية خلال عام 2025.
وارتفعت حصة البنوك إلى 87% من حجم الإصدارات خلال النصف الأول من 2026، بما يؤكد الدور المتزايد للمؤسسات المصرفية في تمويل مشروعات التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.
وتعكس هذه النسب أهمية القطاع المصرفي في توفير التمويل اللازم لمشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية منخفضة الكربون وكفاءة استخدام المياه وغيرها من المشروعات المرتبطة بالاستدامة.
السعودية والإمارات في صدارة السوق
ولا تزال المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تمثلان مركز الثقل الرئيسي للتمويل المستدام في المنطقة.
وتستحوذ الدولتان على نحو 98% من قيمة الإصدارات المستدامة في المنطقة، بينما تصل حصتهما إلى 73% من حيث الحجم، وفق البيانات الواردة في التقرير.
ويشير ذلك إلى استمرار تمركز نشاط أسواق رأس المال المستدامة في أكبر اقتصادات الخليج، رغم الضغوط التي فرضتها التطورات الجيوسياسية والمالية خلال العام الحالي.
العملات المحلية تعزز عمق أسواق المنطقة
ومن أبرز ملامح سوق التمويل المستدام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن جزءًا كبيرًا من الإصدارات مقوم بالعملات المحلية.
ويمثل هذا الاتجاه مؤشرًا على تنامي قدرة أسواق رأس المال المحلية على استيعاب أدوات التمويل المستدام، كما يعكس تطور البنية المالية للمنطقة وقدرتها على تنفيذ صفقات مرتبطة بالتحول الاقتصادي والبيئي.
ولا يقتصر الأمر على جذب التمويل الأجنبي، بل يشير كذلك إلى زيادة قدرة المؤسسات المالية المحلية على تعبئة المدخرات ورؤوس الأموال لتمويل مشروعات استراتيجية داخل اقتصادات المنطقة.
المستثمرون لم يتخلوا عن السوق
ورغم تراجع حجم الإصدارات، لا تزال النظرة متوسطة الأجل للطلب على التمويل المستدام إيجابية.
وقال باتريس كوشلين، المدير الإداري لمنهجية وأبحاث الاستدامة في «إس آند بي غلوبال»، إن محركات الطلب على المدى المتوسط لا تزال إيجابية، مدفوعة باستراتيجيات تحول الطاقة وآجال الاستحقاق القادمة.
وتؤكد التحركات الاستثمارية الأخيرة استمرار اهتمام المؤسسات الدولية بالسوق، إذ أعلنت مؤسسة التمويل الدولية مشاركتها ضمن المستثمرين الرئيسيين في الإصدار الثاني للسندات الخضراء لبنك الأردن والكويت، باستثمار بلغ 100 مليون دولار.
الحرب لا تلغي الحاجة إلى التمويل الأخضر
ويكشف أداء السوق خلال 2026 عن مفارقة مهمة؛ فالتوترات الجيوسياسية أدت إلى زيادة الضغوط على سوق التمويل المستدام، لكنها في الوقت نفسه قد تعزز الحاجة إلى الاستثمارات المرتبطة بأمن الطاقة وكفاءة الموارد والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة.
وتواجه اقتصادات المنطقة تحديات متزايدة تتعلق بالطاقة والمياه والبنية التحتية، وهي قطاعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة وطويلة الأجل، ما يجعل أدوات التمويل المستدام جزءًا مهمًا من تمويل التحول الاقتصادي.
لكن ارتفاع عوائد السندات وتكلفة الاقتراض قد يحد من قدرة الشركات والحكومات على إصدار أدوات جديدة بالسرعة التي شهدها السوق خلال السنوات الماضية.
التمويل المستدام أمام اختبار جديد
وتشير الأرقام إلى أن سوق التمويل المستدام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم يفقد جاذبيته، لكنه دخل مرحلة أكثر صعوبة.
فبعد وصول الإصدارات إلى 35.1 مليار دولار في 2025، جاء تراجع النصف الأول من 2026 ليجبر المؤسسات المالية ومصدري السندات على التعامل مع بيئة تمويل أكثر تكلفة وتقلبًا.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار البنوك في الاستحواذ على 87% من حجم الإصدارات يؤكد أن القطاع المصرفي سيظل اللاعب الأهم في تمويل التحول المستدام بالمنطقة.
وبالتالي، فإن التحدي خلال الفترة المقبلة لن يكون في إثبات وجود الطلب على التمويل المستدام، وإنما في قدرة البنوك وأسواق رأس المال على الحفاظ على تدفقات التمويل في ظل ارتفاع تكلفة الأموال واستمرار المخاطر الجيوسياسية.
وتظل السعودية والإمارات في مقدمة مراكز هذا السوق، بينما يمثل استمرار مشاركة المؤسسات الدولية، إلى جانب توسع البنوك في إصدار وتمويل الأدوات الخضراء والمستدامة، عاملًا رئيسيًا في تحديد قدرة المنطقة على استعادة الزخم الذي حققته قبل موجة الاضطرابات الحالية.









