رامي زهدي يكتب: « من القاهرة إلى القارة… كيف تصنع الدولة والفرد معا قفزة الصادرات المصرية إلى إفريقيا؟»

خبير الشؤون الإفريقية

“تعظيم الصادرات المصرية إلى إفريقيا يحتاج الانتقال من فكرة “زيادة التصدير” إلى “مشروع وطني للتوسع الإفريقي”، والفرق بين التعبيرين هائل، الأول هدف اقتصادي، والثاني رؤية دولة.”

لم تعد مسألة تنمية الصادرات المصرية إلى إفريقيا خيارا اقتصاديا ضمن قائمة بدائل، بل أصبحت في تقديري ضرورة سيادية، وامتدادا مباشرا لفكرة الأمن القومي الاقتصادي، وركيزة من ركائز إعادة تموضع مصر داخل معادلة النفوذ الإفريقي الجديدة.

فالسوق الإفريقي اليوم ليس مجرد فضاء تجاري واسع يضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وناتجا إجماليا يقترب من 3 تريليونات دولار، وإنما هو ساحة تنافس استراتيجي تتسابق إليها القوى الكبرى، من الصين والاتحاد الأوروبي وتركيا والهند وروسيا ودول الخليج، وكلها تدرك ما لم يدركه البعض بعد في دوائرنا الإنتاجية، وهو أن إفريقيا ليست سوقا للمستقبل، بل سوق الحاضر الذي يتشكل الآن.

الرهان المصري على إفريقيا في ملف الصادرات ليس رهانا عاطفيا تحكمه اعتبارات الجغرافيا أو التاريخ فقط، بل يستند إلى منطق اقتصادي صلب.
فبحسب بيانات حديثة، ارتفع حجم التجارة البينية الإفريقية إلى 220.3 مليار دولار في 2024 بنمو 12.4 بالمئة، بينما بلغ إجمالي تجارة إفريقيا السلعية 1.5 تريليون دولار، بما يعكس تحولا هيكليا مهما تسرعه منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وفي هذا المشهد، رسخت مصر موقعها خامس أكبر دولة تجارة بينية داخل القارة، مع نمو تجارتها الإفريقية إلى 9.01 مليار دولار في 2024 بزيادة 8.7 بالمئة، وهذه ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على نافذة تاريخية مفتوحة، قد لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

المعضلة الحقيقية ليست في غياب الفرص، بل في كيفية تحويل الفرص إلى قدرة تصديرية مستدامة.
وهنا تحديدا تبرز معادلة الدولة والفرد.
فالدولة، مهما امتلكت من اتفاقيات تجارية، وموانئ، ومناطق لوجستية، وخطوط ملاحية، ومكاتب تمثيل تجاري، وبرامج رد أعباء تصديرية، لن تستطيع وحدها صناعة طفرة إذا بقي المنتج والمصدر يتعامل مع التصدير إلى إفريقيا باعتباره هامشا لنشاطه، لا قلبا لاستراتيجيته.

الدولة المصرية، خلال السنوات الأخيرة، تحركت بكثافة غير مسبوقة، من تفعيل أوسع للاستفادة من اتفاقية الكوميسا، إلى الارتكاز على اتفاقية التجارة الحرة القارية، إلى توسيع أدوار مؤسسات التمويل وضمان الصادرات، إلى استضافة مصر لاجتماعات البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، وإقامة المركز التجاري الإفريقي في العاصمة الإدارية، وهي تحركات لا يمكن التقليل من وزنها الاستراتيجي، كما أن استضافة مصر للقاءات ومبادرات مرتبطة بتعميق التجارة البينية، بالتوازي مع تنامي دور Afreximbank الذي تجاوزت أصوله والتزاماته 48.5 مليار دولار، يمنح البيئة المؤسسية المصرية رافعة قوية للتوسع التصديري.

لكن رغم ذلك، يبقى السؤال الأصعب: لماذا لا تزال الصادرات المصرية إلى إفريقيا أقل كثيرا من الإمكانات المتاحة؟

الإجابة، في جوهرها، ترتبط بثلاث فجوات كبرى.

الفجوة الأولى، فجوة العقل التصديري، فما زال قطاع من المنتجين يتعامل مع إفريقيا بعقلية رد الفعل، لا المبادرة، يدخل السوق الإفريقي حين تضيق به أسواق أخرى، لا باعتباره سوقا مستهدفا في حد ذاته، وهذه خطيئة استراتيجية لأن من يذهب إلى إفريقيا باعتبارها بديل اضطرار، لن يستطيع البقاء فيها كمنافس طويل الأجل.

الفجوة الثانية، فجوة الكفاءة البشرية، وهنا أصل المعضلة، العنصر البشري في منظومة التصدير، من المصنع حتى مدير التصدير، لا يزال في كثير من الأحيان يفتقر إلى مهارات التسويق الدولي، إدارة المخاطر، دراسات الأسواق، التفاوض العابر للحدود، بناء الشبكات، وفهم الثقافة التجارية الإفريقية، وهذه ليست ملاحظات نظرية، بل أحد أكثر معوقات التمدد التصديري واقعية، لا توجد استراتيجية تصدير ناجحة بدون بشر قادرين على تنفيذها.

الفجوة الثالثة، فجوة اللوجستيات والتمويل التجاري، كثير من المصدرين المصريين، خاصة المتوسطين والصغار، لا يملكون أدوات تمويل الصادرات، ولا خبرة استخدام آليات مثل خطابات الاعتماد، ضمانات المخاطر، التمويل المسبق للشحن، أو حتى الاستفادة من أنظمة دفع قارية ناشئة مثل PAPSS التي يفترض أن تخفف اختناقات المدفوعات عبر الحدود.

وهنا أصل إلى ما أراه النقطة الفاصلة: الصادرات ليست مسؤولية وزارة، بل مسؤولية منظومة.

حين نقول دور الدولة، فنحن لا نتحدث فقط عن الحكومة، بل عن الدولة بمعناها المؤسسي الكامل: وزارات، هيئات، بنوك، مراكز تدريب، أجهزة رقابية، مكاتب تجارية، مجالس تصديرية، موانئ، مناطق لوجستية، سفارات، ومؤسسات تمويل.

وحين نقول دور الفرد، فنحن لا نتحدث فقط عن المصدر، بل عن العامل الذي ينتج وفق مواصفة قابلة للتصدير، ومدير المصنع الذي يخطط وفقا لطلب السوق، ومدير التصدير الذي يبني شبكة موزعين، ورائد الأعمال الذي يرى في لاجوس ونيروبي وأكرا كما يرى في دبي والرياض.

هذا هو التحول الذهني المطلوب.

السوق الإفريقي لا يريد فقط سلعة مصرية، بل يريد شريكا موثوقا، وهذه نقطة يغفلها البعض، إفريقيا ليست سوق تصريف، إفريقيا شراكات، توطين صناعي، مراكز توزيع، تصنيع مشترك، وسلاسل قيمة.

ومن هنا، أرى أن مستقبل نمو الصادرات المصرية إلى إفريقيا لن يتحقق عبر نموذج المصدر التقليدي وحده، بل عبر أربعة مسارات متوازية:

أولا، الانتقال من تصدير المنتج إلى تصدير القيمة، بمعنى عدم الاكتفاء ببيع سلع نهائية، بل دخول سلاسل القيمة الإفريقية في الصناعات الغذائية، الدواء، مواد البناء، الصناعات الكيماوية، الأجهزة الكهربائية، مستلزمات الري، والصناعات الهندسية.

ثانيا، بناء وجود مصري دائم داخل الأسواق الإفريقية عبر مراكز توزيع، مخازن إقليمية، ومناطق لوجستية مصرية في شرق وغرب إفريقيا.

ثالثا، تحويل المصدر المصري من تاجر خارجي إلى مستثمر قاري، لأن من يستثمر في السوق، يحمي حصته فيه.

رابعا، ثورة تدريب تصديري حقيقية، وأنا أقول ثورة، لا برنامج تدريب لأن ما نحتاجه ليس دورات، بل إعادة تكوين للعقل التصديري المصري.

ولعل من أخطر الأخطاء المتداولة، الاعتقاد بأن المستهلك الإفريقي يبحث فقط عن الأرخص، هذه قراءة سطحية، المستهلك الإفريقي، مثل غيره، يبحث عن الجودة والقيمة والثقة، والاختلاف ليس في طبيعة الطلب، بل في إدارة الوصول إلى الطلب، المشكلة ليست في الهدف بل في إدارة الهدف.

وهنا تبرز قطاعات مصرية تملك فرصا غير مسبوقة: الصناعات الغذائية، الأسمدة، الأدوية، مواد البناء، الكابلات، الصناعات الهندسية، المنسوجات، الأثاث، الحلول الرقمية، والخدمات التعليمية والصحية، بل إن بعض هذه القطاعات يملك أفضلية تنافسية طبيعية إذا أحسن تسويقها.

ومن منظور سياسي أوسع، فإن تنمية الصادرات المصرية إلى إفريقيا ليست مجرد زيادة أرقام في الميزان التجاري، بل توسيع لنطاق النفوذ المصري الناعم والصلب معا، التجارة هنا ليست نشاطا اقتصاديا فقط، بل أداة تموضع جيواقتصادي، وكل حاوية تصدير مصرية تصل إلى ميناء إفريقي، هي في معناها الأعمق امتداد حضور مصري داخل معادلات القارة.

وحين نقرأ ما يجري عالميا، ندرك أن العالم يتجه إلى التكتلات، لا الأسواق المنفردة، من لا يحجز موقعه داخل السوق الإفريقي الآن، سيدفع لاحقا تكلفة الدخول المتأخر.

ولذلك أقول بوضوح، إن تعظيم الصادرات المصرية إلى إفريقيا يحتاج الانتقال من فكرة “زيادة التصدير” إلى “مشروع وطني للتوسع الإفريقي”، والفرق بين التعبيرين هائل، الأول هدف اقتصادي، والثاني رؤية دولة.

في تقديري، إذا نجحت مصر في رفع كفاءة العنصر البشري، وتوسيع أدوات التمويل واللوجستيات، وربط الدولة بالمصدر في منظومة واحدة، فإن مضاعفة الصادرات إلى إفريقيا ليست طموحا مبالغا فيه، بل هدف قابل للتحقق.

فالقارة تتحرك.

والطلب يتشكل.

والنافذة مفتوحة.

والسؤال ليس: هل تستطيع مصر أن تضاعف صادراتها إلى إفريقيا؟

السؤال الحقيقي: هل نملك سرعة القرار الكافية للحاق باللحظة؟

لأن الأمم لا تخسر فرصها حين تغيب عنها الموارد، بل حين تتأخر عن إدراك التوقيت.

وهذا، في ظني، هو جوهر القضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى