صدام في بروكسل حول العملات المستقرة.. المركزي الأوروبي يريد توسيع حظر العوائد

دخلت مراجعة الإطار الأوروبي لتنظيم أسواق الأصول المشفرة «ميكا» مرحلة حاسمة، بعدما تصادمت مواقف البنوك المركزية الأوروبية مع شركات صناعة العملات الرقمية ومناصري التمويل اللامركزي بشأن مستقبل العوائد والمكافآت المرتبطة بالعملات المستقرة.

ويدفع النظام الأوروبي للبنوك المركزية، الذي يضم البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية في دول الاتحاد الأوروبي، للإبقاء على حظر دفع الفوائد لحاملي العملات المستقرة وتوسيع نطاقه ليشمل أنشطة قد تولد عوائد بصورة غير مباشرة، مثل الإقراض والتخزين والاقتراض وبعض برامج المكافآت.

في المقابل، تطالب شركات وكيانات في قطاع الأصول الرقمية، من بينها «سيركل» و«آيف لابس»، بعدم توسيع الحظر ليشمل أنشطة الإقراض والتخزين، في وقت اقترحت فيه الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق إخضاع الإقراض والتخزين والاقتراض لمتطلبات تنظيمية وإفصاحية متناسبة بدلًا من حظرها بصورة شاملة.

القواعد الحالية تحظر الفوائد على العملات المستقرة

ويحظر قانون «ميكا» بالفعل على مُصدري بعض فئات العملات المستقرة ومقدمي خدمات الأصول المشفرة منح فوائد مرتبطة بحيازة هذه الرموز.

وتنص المادة 50 الخاصة برموز النقود الإلكترونية على منع مُصدريها ومقدمي الخدمات المرتبطة بها من منح الفوائد، كما تعتبر القواعد أي مكافأة أو منفعة أخرى مرتبطة بمدة حيازة الرمز بمثابة فائدة، بما في ذلك بعض أشكال التعويض أو الخصومات ذات الأثر المماثل. وينطبق حظر مماثل على الرموز المرتبطة بأصول بموجب المادة 40.

وتستند فلسفة الحظر، وفق موقف النظام الأوروبي للبنوك المركزية، إلى الفصل بين وظيفة رموز النقود الإلكترونية كوسيلة للدفع وبين الأدوات المصممة للادخار أو تحقيق العائد.

المركزي الأوروبي يريد إغلاق مسارات العائد غير المباشر

وفي رده على مشاورة المفوضية الأوروبية بشأن مراجعة «ميكا»، دعا النظام الأوروبي للبنوك المركزية إلى الإبقاء على حظر مكافأة حائزي العملات المستقرة، مع توسيعه ليغطي هياكل يمكن أن توفر عائدًا غير مباشر من خلال الإقراض والتخزين والاقتراض وبعض أنشطة التمويل اللامركزي.

وترى البنوك المركزية الأوروبية أن السماح لهذه الأدوات بتوليد عوائد مرتبطة بالعملات المستقرة قد يطمس الفارق بين النقود الإلكترونية والودائع المصرفية، ويخلق مخاطر مرتبطة بالاستقرار المالي والمنافسة داخل النظام المالي الأوروبي.

وطلب النظام الأوروبي للبنوك المركزية كذلك إضافة أشكال أخرى من المنافع إلى نطاق القيود، مثل بعض برامج الولاء والمكافآت والخصومات التي قد يكون أثرها الاقتصادي قريبًا من العائد.

تغيير كبير مقترح لقواعد احتياطيات العملات المستقرة

ولم تقتصر توصيات البنوك المركزية على مسألة العوائد، إذ اقترحت إلغاء القاعدة التي تلزم مُصدري رموز النقود الإلكترونية بالاحتفاظ بحد أدنى من الاحتياطيات في شكل ودائع مصرفية.

وتفرض القواعد الحالية الاحتفاظ بما لا يقل عن 30% من الاحتياطيات في الودائع المصرفية، وترتفع النسبة إلى 60% بالنسبة إلى الرموز المصنفة ذات أهمية كبيرة. وترى البنوك المركزية أن هذا الهيكل قد يجعل البنوك أكثر تعرضًا لمخاطر السيولة إذا سحب مُصدرو العملات المستقرة ودائعهم بسرعة لتلبية طلبات الاسترداد.

وبدلًا من النسب الثابتة، اقترحت البنوك المركزية الاعتماد على متطلبات سيولة مرتبطة بآجال استحقاق الأصول، بحيث تكون نسبة محددة من الاحتياطيات مستحقة خلال فترة تتراوح بين يوم عمل وخمسة أيام.

«سيركل» تؤيد تغيير قواعد الاحتياطيات وتختلف مع الحظر

وقدمت «سيركل»، مُصدرة العملة المستقرة «يو إس دي سي»، ردها على مراجعة «ميكا» في الأول من أكتوبر، مستندة إلى تجربتها كمُصدر لرموز نقود إلكترونية مرخصة بموجب الإطار الأوروبي.

وأبدت الشركة تأييدها لإعادة النظر في الحد الأدنى الإلزامي للودائع المصرفية، معتبرة أن هذا الشرط يزيد تعرض مُصدري العملات المستقرة لمخاطر الائتمان والطرف المقابل في القطاع المصرفي. واقترحت بدلًا منه متطلبات أكثر مرونة ترتكز على السيولة.

لكن «سيركل» تدعو في الوقت نفسه إلى الحفاظ على إمكانية وصول المستخدمين الأوروبيين إلى العملات المستقرة العالمية وفق إطار اعتراف منظم، بما يتيح تداول العملات الصادرة وفق أنظمة رقابية أجنبية إذا استوفت معايير محددة.

«آيف» ترفض توسيع الحظر إلى الإقراض والتخزين

وفي الجانب الآخر من المواجهة، دفعت «آيف لابس» باتجاه عدم توسيع حظر العوائد ليشمل الإقراض والتخزين.

ويستند موقف الشركة إلى التمييز بين دفع عائد للمستخدم لمجرد الاحتفاظ بالعملة المستقرة، وبين العائد الناتج عن نشاط إقراض يتقاضى فيه المودع مقابلاً من المقترض مقابل إتاحة الأصول، باعتبار أن طبيعة المعاملة والمخاطر فيها مختلفة.

وتدفع «آيف» أيضًا نحو تنظيم الجهات التي تسيطر على الأصول أو تقدم خدمات وسيطة بدل إخضاع البرمجيات المفتوحة المصدر والأنظمة اللامركزية نفسها تلقائيًا للمعاملة ذاتها المطبقة على المؤسسات المالية الوسيطة.

هيئة الأسواق الأوروبية تختار التنظيم المتناسب بدل الحظر

وفي موقف مختلف، اقترحت الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق تطوير إطار أكثر وضوحًا للتعامل مع التمويل اللامركزي، مع وضع معايير تحدد الأنشطة التي تعد لامركزية بالفعل.

كما أوصت الهيئة بإنشاء خدمة جديدة منظمة للشركات التي تتيح للمستخدمين الوصول إلى بروتوكولات التمويل اللامركزي، إلى جانب متطلبات إفصاح متناسبة مع أنشطة التخزين والإقراض والاقتراض، تشمل توضيح التكاليف والمخاطر والمكافآت والضمانات والخسائر المحتملة.

ويضع هذا الموقف الهيئة في مساحة تنظيمية مختلفة عن الحظر المباشر، إذ يركز على الإفصاح والرقابة وتحديد مسؤولية الوسطاء ومقدمي الخدمات.

القطاع يضغط على المفوضية قبل صياغة التعديلات

وأغلقت المفوضية الأوروبية في 30 سبتمبر فترة المشاورة المستهدفة بشأن مراجعة «ميكا»، وهي عملية تهدف إلى تقييم مدى ملاءمة القواعد الحالية للتطورات التي شهدها سوق الأصول المشفرة منذ دخول النظام حيز التطبيق. ويمكن أن تقود نتائج المراجعة، بحسب المفوضية، إلى مقترحات تشريعية جديدة إذا اقتضى الأمر.

وفي موازاة مذكرات الشركات والجهات الرقابية، تقول مجموعة «ستاند ويذ كريبتو» في الاتحاد الأوروبي إن أكثر من 50 ألف شخص أرسلوا رسائل إلى المفوضية الأوروبية للمطالبة بالسماح بالمكافآت والمزايا المرتبطة بالعملات المستقرة المنظمة.

كما تظهر صفحة المجموعة أن عريضة منفصلة بشأن «استراتيجية مؤيدة للابتكار للعملات المستقرة» تجاوزت 126 ألف توقيع، وتدعو ضمن مطالبها إلى إعادة إتاحة العوائد على العملات المستقرة المدعومة بأصول آمنة ومدرة للفائدة. وهذه الأرقام تعكس موقف المجموعة وحملتها، ولا تمثل قياسًا مستقلًا لاتجاه الرأي العام الأوروبي ككل.

المعركة تتجاوز الفائدة إلى مستقبل التمويل اللامركزي

وتكشف المواقف المتعارضة أن مراجعة «ميكا» لا تتعلق فقط بمسألة السماح أو حظر الفائدة على العملات المستقرة، بل تمتد إلى سؤال أكبر حول الحدود التنظيمية للتمويل اللامركزي في أوروبا.

فالبنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية الوطنية يركزون على مخاطر الاستقرار المالي والتمييز بين وسائل الدفع ومنتجات الادخار، بينما تدفع شركات القطاع نحو الحفاظ على الوظائف المالية التي توفرها العملات المستقرة داخل منظومات الإقراض والتداول، في حين تحاول هيئة الأسواق الأوروبية بناء قواعد تسمح لهذه الأنشطة بالعمل ضمن إطار أكثر وضوحًا وإفصاحًا.

وتتولى المفوضية الأوروبية الآن تجميع المواقف الواردة في المشاورة، تمهيدًا لتقييم مستقبل قواعد «ميكا» وما إذا كانت ستحتاج إلى تعديلات تشريعية. ويظل شكل القواعد النهائية غير محسوم في هذه المرحلة، ما يجعل العوائد على العملات المستقرة والإقراض والتخزين والتمويل اللامركزي من أبرز الملفات المنتظرة في المرحلة التالية من المراجعة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى