فرنسا تفتح تحقيقًا جنائيًا بسبب نظارات ميتا الذكية وتصوير النساء سرًا

فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقًا جنائيًا في واقعة تحرش جنسي يُشتبه في ارتباطها باستخدام نظارات ذكية مزودة بكاميرات لتصوير نساء في الأماكن العامة دون علمهن، في تطور يعكس انتقال المخاوف المرتبطة بهذه التكنولوجيا من نطاق حماية الخصوصية إلى ساحات التحقيق الجنائي.

و تدور القضية حول انتشار مقاطع مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما «تيك توك»، يظهر فيها رجال يستخدمون نظارات ذكية لتسجيل نساء في الشوارع دون موافقتهن، ثم نشر المقاطع عبر الإنترنت. ولم تكشف النيابة العامة حتى الآن عدد الشكاوى التي تلقتها أو ما إذا كان قد جرى تحديد هوية أي من المتهمين.

ويأتي التحقيق في وقت تكثف فيه السلطات الفرنسية رقابتها على النظارات الذكية، بالتزامن مع تحذيرات رسمية من مخاطر الكاميرات والميكروفونات المدمجة في أجهزة تبدو ظاهريًا كنظارات عادية. وكانت الهيئة الوطنية الفرنسية لحماية البيانات «CNIL» قد حذرت في وقت سابق من التحديات المرتبطة بصعوبة معرفة الأشخاص بأنهم يخضعون للتسجيل.

نظارات ميتا في قلب أزمة الخصوصية

تتركز الأنظار على نظارات «راي بان ميتا» الذكية، التي تطورها ميتا بالتعاون مع شركة «إيسيلور لوكسوتيكا»، وتضم كاميرا صغيرة وميكروفونات مدمجة داخل الإطار.

وتستخدم النظارات مؤشرًا ضوئيًا للإشارة إلى تشغيل الكاميرا، إلا أن منظمات حقوقية حذرت من إمكانية تعطيل المؤشر أو حجبه، بما يجعل اكتشاف عملية التسجيل أكثر صعوبة بالنسبة للأشخاص الموجودين في محيط المستخدم.

وأفادت رويترز بأن ميتا أطلقت تحديثات برمجية تهدف إلى منع الكاميرا من التسجيل عندما يكون مؤشر التسجيل محجوبًا.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن الشخص الذي يجري تصويره قد لا يدرك أصلًا أنه أمام كاميرا، وهو ما يطرح تحديًا مختلفًا عن الهواتف المحمولة والكاميرات التقليدية التي تكون عملية استخدامها أكثر وضوحًا.

القانون الفرنسي يضع حدودًا أمام التصوير السري

تثير القضية أيضًا إشكالية قانونية، إذ تشير المادة 226-1 من قانون العقوبات الفرنسي إلى تجريم بعض صور تسجيل أو نقل صورة شخص دون موافقته في ظروف محددة، إلا أن نطاق النص يرتبط، وفق الصياغة القانونية المشار إليها في التقارير، بحالات تتعلق بالحياة الخاصة.

ومن ثم، فإن فتح تحقيق جنائي في واقعة مرتبطة بتصوير أشخاص في أماكن عامة يكتسب أهمية خاصة، لأن السلطات ستكون مطالبة بتحديد الأساس القانوني الدقيق للوقائع محل التحقيق، وما إذا كانت طريقة التصوير أو طبيعة استخدام التسجيلات أو نشرها تشكل جريمة مستقلة.

وهنا يجب التمييز بين مجرد امتلاك النظارات أو استخدامها، وبين إساءة استخدامها في تصوير الأشخاص أو استغلال التسجيلات أو نشرها بطريقة قد تشكل مخالفة أو جريمة.

«ضوء التسجيل» لا يعني موافقة المصوَّر

وتؤكد منظمات حقوقية وخبراء في حماية الخصوصية أن وجود ضوء يشير إلى تشغيل الكاميرا لا يعني حصول المستخدم على موافقة الأشخاص الذين يظهرون في التسجيل.

وترى هذه الجهات أن المسؤولية لا ينبغي أن تنتقل إلى الأشخاص الذين يتم تصويرهم، بحيث يصبح عليهم اكتشاف وجود الكاميرا أو مراقبة سلوك كل شخص يرتدي نظارة ذكية.

وتزداد صعوبة المشكلة مع انتشار الأجهزة القابلة للارتداء، لأن الكاميرا تكون جزءًا من جهاز يبدو في الأساس منتجًا استهلاكيًا عاديًا، وهو ما يجعل عملية التسجيل أقل وضوحًا للمحيطين بالمستخدم.

«CNIL» تحذر من تحول النظارات الذكية إلى أدوات مراقبة

كانت الهيئة الوطنية الفرنسية لحماية البيانات قد أطلقت خطة للتحرك بشأن النظارات الذكية، مؤكدة أن هذه الأجهزة تمثل تحديًا جديدًا للخصوصية، بسبب احتوائها على كاميرات وميكروفونات واتصالها بالهواتف وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتشير الهيئة إلى أن النظارات المتصلة قد تتيح للمستخدم التقاط الصور والفيديو وتسجيل الصوت، كما يمكن أن ترتبط بأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل البيئة المحيطة بالمستخدم.

وهذا يوسع نطاق المخاطر من مجرد التصوير إلى جمع وتحليل بيانات عن أشخاص قد لا يعرفون أنهم أصبحوا جزءًا من عملية معالجة رقمية للبيانات.

ميتا تهيمن على سوق النظارات الذكية

وتكتسب القضية أهمية إضافية بسبب الحضور الكبير لميتا في سوق النظارات الذكية.

وبحسب بيانات نقلتها رويترز، تقدر حصة ميتا من السوق العالمية بنحو 76%، بينما أشارت شركة «كاونتربوينت ريسيرش» إلى أن حصة الشركة بلغت نحو 82% خلال النصف الثاني من عام 2025. كما أعلنت «إيسيلور لوكسوتيكا» عن مبيعات تجاوزت 7 ملايين نظارة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي خلال 2025.

وبالتالي، فإن أي أزمة مرتبطة بإساءة استخدام هذه الأجهزة لا تتعلق بمنتج محدود الانتشار، وإنما بفئة تقنية تتوسع بسرعة وتجمع بين الكاميرا والميكروفون والاتصال بالهاتف والذكاء الاصطناعي.

أوروبا تراقب المخاطر نفسها

ولا تقتصر المخاوف على فرنسا؛ إذ تتزايد التحركات التنظيمية والقانونية في دول أخرى بسبب الاستخدامات المحتملة للنظارات المزودة بالكاميرات.

وفي بريطانيا، فتح مكتب مفوض المعلومات تحقيقًا بشأن النظارات الذكية في مارس، كما اتخذت بعض المؤسسات إجراءات لتقييد استخدامها. وفي أستراليا، طُلبت مراجعة إمكانية حظر استخدام النظارات المزودة بالكاميرات داخل بعض المباني الحكومية، في ظل مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن.

كما شهدت ألمانيا تحركًا قانونيًا ضد شركات مرتبطة بالنظارات الذكية، ما يعكس اتساع نطاق الجدل الأوروبي حول كيفية تنظيم الأجهزة القابلة للارتداء التي تستطيع تسجيل الأشخاص وتحليل محيطهم.

وتستعد الجهات الأوروبية المعنية بحماية البيانات لمزيد من مناقشة القضية، في وقت بدأت فيه الهيئات التنظيمية التعامل مع النظارات المتصلة باعتبارها تحولًا مهمًا في طريقة جمع البيانات في الأماكن العامة.

ميتا أمام اختبار جديد قبل الجيل المقبل

وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس بالنسبة إلى ميتا، التي تستعد لعرض الجيل التالي من نظاراتها الذكية خلال فعالية «ميتا كونكت» المقررة في 23 سبتمبر.

وتضع التحقيقات والتحذيرات التنظيمية الشركة أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على جاذبية المنتجات الجديدة من ناحية، وإثبات قدرتها على الحد من إساءة استخدام الكاميرات والميكروفونات من ناحية أخرى.

وكانت رويترز قد أفادت في وقت سابق بأن ميتا تخطط أيضًا لإطلاق نسخة جديدة من النظارات الذكية من دون كاميرا، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام بمخاوف الخصوصية المرتبطة بالأجهزة القابلة للارتداء.

من الابتكار إلى المسؤولية القانونية

وتكشف القضية الفرنسية عن مشكلة أوسع في سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء: كلما أصبحت أدوات التسجيل أصغر وأكثر اندماجًا في الأشياء اليومية، أصبحت الحدود بين الاستخدام الشخصي المشروع والمراقبة غير المرئية أكثر صعوبة في التحديد.

ولهذا، فإن التحدي أمام شركات التكنولوجيا لم يعد فقط تطوير كاميرات أكثر ذكاءً أو أجهزة أكثر قدرة، وإنما ضمان ألا تتحول هذه القدرات إلى أدوات لانتهاك الخصوصية أو التحرش أو نشر محتوى دون موافقة أصحابه.

والتحقيق الفرنسي لا يعني أن امتلاك نظارات ميتا الذكية أصبح جريمة، وإنما يركز على وقائع محددة يُشتبه في ارتباطها بإساءة استخدام التكنولوجيا. وتظل المسؤولية الجنائية مرتبطة بما تثبته التحقيقات والوقائع والأدلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى