مفاجأة سوق العمل الأمريكي.. 162 ألف وظيفة ترفع رهانات زيادة الفائدة إلى 58%

فاجأ سوق العمل الأمريكي الأسواق بإضافة 162 ألف وظيفة غير زراعية خلال أغسطس، متجاوزًا التوقعات التي كانت تشير إلى زيادة بنحو 55 ألف وظيفة فقط، بينما استقر معدل البطالة عند 4.1%، في مؤشر جديد على استمرار مرونة الاقتصاد الأمريكي رغم بقاء التضخم أعلى من مستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

ودفعت البيانات الجديدة المتعاملين إلى زيادة رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة الأمريكية خلال اجتماع سبتمبر، إذ ارتفعت احتمالات زيادة الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع 16 سبتمبر إلى نحو 58%، مقابل نحو 52% قبل صدور التقرير، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو.

162 ألف وظيفة تقلب حسابات الفيدرالي

وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن الاقتصاد أضاف 162 ألف وظيفة خلال أغسطس، وهو رقم يزيد بنحو ثلاثة أمثال التوقعات تقريبًا.

ولم تقتصر المفاجأة على قراءة أغسطس، إذ جرى تعديل إجمالي الوظائف غير الزراعية في يونيو ويوليو بالزيادة بمقدار 55 ألف وظيفة مقارنة بالتقديرات السابقة.

وتعني هذه المراجعات أن سوق العمل كان أقوى مما أظهرته البيانات الأولية، وهو ما يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للتركيز على التضخم بدلًا من القلق المفرط بشأن ضعف التوظيف.

الخدمات الغذائية تقود الزيادة

وجاء جانب كبير من الزيادة في الوظائف من قطاع خدمات الطعام والمشروبات، الذي أضاف نحو 59 ألف وظيفة خلال أغسطس.

وتتجاوز هذه الزيادة بفارق كبير متوسط النمو الشهري للقطاع خلال العام السابق، والذي بلغ نحو 12 ألف وظيفة.

كما أضاف قطاع التعليم في الحكومات المحلية نحو 42 ألف وظيفة، ليعوض إلى حد كبير التراجع المسجل في يوليو، بينما واصل قطاع التصنيع اتجاهه الصعودي بإضافة نحو 16 ألف وظيفة خلال الشهر.

وارتفع عدد الوظائف في قطاع التصنيع بنحو 58 ألف وظيفة منذ تسجيل أدنى مستوى له في ديسمبر 2025، بما يعكس تحسنًا ملحوظًا في أحد القطاعات الرئيسية للاقتصاد الأمريكي.

التضخم يبقي قرار الفائدة مفتوحًا

وتأتي بيانات الوظائف في وقت يواجه فيه الاحتياطي الفيدرالي معضلة صعبة بين دعم سوق العمل والسيطرة على التضخم.

ويظل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2% منذ فترة طويلة، ما يجعل استمرار قوة سوق العمل عاملًا قد يدفع صناع السياسة إلى مزيد من الحذر تجاه خفض الفائدة.

وتزداد حساسية القرار مع وجود انقسام واضح داخل لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بشأن المسار المناسب للسياسة النقدية.

انقسام داخل الاحتياطي الفيدرالي

كان الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع يوليو، إلا أن عددًا من مسؤولي الفروع الإقليمية اتخذوا مواقف أكثر تشددًا منذ ذلك الحين.

وشملت هذه المواقف رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس لوري لوغان، الذين دعوا إلى تشديد السياسة النقدية.

كما اتخذ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش موقفًا متشددًا في خطابه الرئيسي خلال مؤتمر جاكسون هول الأسبوع الماضي، مؤكدًا أهمية إعادة التضخم إلى المستهدف.

في المقابل، صدرت خلال الأسبوع تصريحات أكثر ميلًا إلى التيسير النقدي من مسؤولين آخرين، من بينهم رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز والمحافظ كريستوفر والر.

ويعني ذلك أن تقرير الوظائف القوي يأتي في لحظة تتسم أصلًا بتباين الرؤى داخل البنك المركزي الأمريكي.

عوائد السندات ترتفع بعد بيانات الوظائف

وسرعان ما انعكست مفاجأة سوق العمل على سوق السندات الأمريكية، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة، خصوصًا الآجال القصيرة الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة.

وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين بنحو 5.5 نقطة أساس إلى 4.389%، بينما صعد عائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 2.2 نقطة أساس إلى 4.784%.

ويعكس ارتفاع العوائد إعادة تسعير الأسواق لمسار السياسة النقدية، مع زيادة احتمالات استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول أو العودة إلى رفعها إذا استمرت ضغوط الأسعار.

وول ستريت تحت ضغط تشديد السياسة النقدية

وانخفضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بعد صدور بيانات الوظائف، في انعكاس مباشر لارتفاع توقعات الفائدة.

فالوظائف القوية تحمل وجهين للأسواق؛ فمن ناحية تؤكد قدرة الاقتصاد الأمريكي على مواصلة النمو، لكنها من ناحية أخرى تقلل الحاجة إلى خفض الفائدة، وترفع تكلفة التمويل، وهو ما قد يضغط على تقييمات الأسهم، خصوصًا القطاعات ذات الحساسية المرتفعة لأسعار الفائدة.

وبذلك تحولت «قوة سوق العمل» من خبر إيجابي للاقتصاد إلى عامل ضغط على الأصول المالية التي كانت تراهن على تيسير السياسة النقدية.

الفيدرالي أمام معادلة أكثر تعقيدًا

وتضع بيانات أغسطس الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة أكثر تعقيدًا.

فسوق العمل لم يقدم الإشارة الضعيفة التي كان المستثمرون يحتاجون إليها لتعزيز رهانات خفض الفائدة، بل جاءت البيانات أقوى بكثير من المتوقع، بالتزامن مع مراجعة تصاعدية لبيانات الشهرين السابقين.

وفي الوقت نفسه، لا يزال التضخم أعلى من هدف 2%، ما يقلل قدرة البنك المركزي على تجاهل مخاطر عودة الضغوط السعرية.

لذلك، فإن استمرار قوة التوظيف قد يمنح التيار المتشدد داخل الاحتياطي الفيدرالي حججًا إضافية للمطالبة بالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة، أو حتى بحث زيادة جديدة إذا لم يتراجع التضخم بالسرعة المطلوبة.

ماذا تعني البيانات للذهب والدولار؟

وتحمل بيانات الوظائف دلالات مهمة بالنسبة إلى الذهب والدولار.

فعندما ترتفع توقعات الفائدة، ترتفع عادة عوائد السندات ويزداد جاذبية الأصول المقومة بالدولار، بينما يتعرض الذهب لضغوط نتيجة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائدًا دوريًا.

لكن تأثير البيانات لا يتحرك في اتجاه واحد دائمًا؛ فإذا بدأت قوة سوق العمل في الانحسار خلال الأشهر المقبلة، بالتزامن مع تراجع التضخم، فقد تعود الأسواق إلى تسعير خفض الفائدة، وهو سيناريو يمكن أن يعيد الدعم إلى الذهب ويضغط على الدولار.

الاختبار الحقيقي في البيانات المقبلة

وتشير القراءة الحالية إلى أن معركة الاحتياطي الفيدرالي لم تُحسم بعد.

فالاقتصاد الأمريكي لا يزال قادرًا على خلق الوظائف بوتيرة تفوق توقعات الأسواق، بينما يظل التضخم فوق المستوى المستهدف، في الوقت الذي تتباين فيه مواقف مسؤولي البنك المركزي بشأن اتجاه السياسة النقدية.

وبالتالي، تصبح بيانات التضخم وسوق العمل المقبلة أكثر أهمية في تحديد قرار سبتمبر، خاصة أن ارتفاع احتمالات رفع الفائدة إلى 58% بعد تقرير الوظائف يعكس سرعة استجابة الأسواق لأي تغير في صورة الاقتصاد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى