من السفن إلى البر.. 3 عروض أمام مصر لمحطة تغويز بمليار قدم مكعبة يوميًا

تلقت الحكومة المصرية 3 عروض من شركات وجهات محلية وعالمية لتنفيذ أول وحدة برية لإعادة تغويز الغاز الطبيعي المسال في البلاد، داخل ميناء العين السخنة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بطاقة مبدئية تصل إلى مليار قدم مكعبة يوميًا، وفق مسؤول حكومي نقلت عنه «الشرق بلومبرغ».

ويأتي المشروع في وقت تتسع فيه الفجوة بين إنتاج الغاز الطبيعي محليًا والاستهلاك، ما يدفع مصر إلى الاعتماد بصورة أكبر على استيراد الغاز الطبيعي المسال لتأمين احتياجات محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية والاستهلاكية.

وتكشف العروض الثلاثة عن اتجاه جديد في منظومة الطاقة المصرية، يقوم على إضافة منشأة برية ثابتة لإعادة التغويز إلى جانب سفن التغويز العائمة التي أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تأمين الإمدادات خلال فترات ارتفاع الطلب.

العين السخنة تتحول إلى بوابة مصر الرئيسية للغاز المستورد

وتتضمن العروض إنشاء مرافق لتخزين شحنات الغاز الطبيعي المسال وإعادة تحويلها إلى حالتها الغازية قبل ضخها في الشبكة القومية، مع سعات تخزينية تصل في بعض المقترحات إلى 290 ألف متر مكعب.

وتكتسب العين السخنة أهمية استراتيجية في هذه المنظومة، إذ تضم بالفعل بنية تحتية لاستقبال وتداول الغاز الطبيعي المسال وإعادة ضخه إلى الشبكة القومية.

وأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية أن منظومة التغويز في العين السخنة تضم سفنًا عائمة مخصصة لاستقبال شحنات الغاز المسال وإعادة تغويزها، ضمن خطة تأمين احتياجات السوق المحلية.

3 عروض.. وكل شركة تراهن على سيناريو مختلف

ويأتي العرض الأول من مجموعة «بي جي إن» التركية، التي اقترحت إنشاء محطة تغويز بطاقة مليار قدم مكعبة يوميًا، مع إمكانية رفع الطاقة مستقبلًا إلى ملياري قدم مكعبة يوميًا.

ويتضمن العرض خيارين للتخزين؛ الأول وحدتا تخزين عائمتان بسعة إجمالية تصل إلى 290 ألف متر مكعب، والثاني وحدة تخزين عائمة بسعة 170 ألف متر مكعب.

أما شركة «أورباكون القابضة» القطرية، فتقدمت بعرض لإنشاء وحدة التغويز إلى جانب وحدة تخزين عائمة بسعة تصل إلى 200 ألف متر مكعب.

وجاء العرض الثالث من جهة مصرية محلية، لإنشاء وحدة تغويز برية بطاقة مليار قدم مكعبة يوميًا، مع إمكانية رفعها مستقبلًا إلى 1.5 مليار قدم مكعبة يوميًا.

ويتضمن العرض المحلي أيضًا أكثر من خيار للتخزين، بينها وحدتان عائمتان بسعة إجمالية تبلغ 170 ألف متر مكعب، أو وحدة عائمة بسعة 145 ألف متر مكعب إلى جانب خزان بري بسعة 35 ألف متر مكعب ،وفقا للشرق بلومبرغ

فجوة الغاز هي المحرك الحقيقي للمشروع

ولا يمكن قراءة مشروع محطة التغويز الجديدة بمعزل عن معادلة الإنتاج والاستهلاك في سوق الغاز المصرية.

وبحسب البيانات الواردة في المادة، تستهدف مصر رفع إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى نحو 6.6 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول 2030، مقابل متوسط إنتاج حالي يدور حول 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا.

في المقابل، يصل الاستهلاك المحلي إلى نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، ويرتفع إلى قرابة 7.5 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال ذروة استهلاك الكهرباء في الصيف.

وهذا يعني أن تأمين الإمدادات لم يعد مرتبطًا فقط بزيادة الإنتاج المحلي، وإنما أصبح يتطلب أيضًا بنية تحتية أكثر مرونة لاستقبال الغاز المستورد وتخزينه وإعادة تغويزه.

لماذا تريد مصر محطة برية بدلًا من الاعتماد على السفن؟

تمثل سفن التغويز حلًا سريعًا ومرنًا لتوفير الغاز، لكنها بطبيعتها وحدات عائمة يمكن تشغيلها بموجب ترتيبات أو عقود محددة، بينما تمنح المحطة البرية قدرة ثابتة على استقبال الغاز وإعادة تغويزه على المدى الطويل.

وهنا تكمن أهمية المشروع المقترح ، فإنشاء وحدة برية بطاقة مليار قدم مكعبة يوميًا يعني إضافة قدرة استراتيجية إلى البنية التحتية المصرية، بما يقلل الاعتماد على حل عائم واحد أو أكثر، ويمنح الشبكة مرونة أكبر في مواجهة ارتفاع الطلب أو أي توقف تشغيلي مفاجئ.

وكانت وزارة البترول قد أكدت في يونيو 2026 أن سفن التغويز تمثل عنصرًا داعمًا ومكملًا للإنتاج المحلي، وأن منظومة التغويز الحالية تلعب دورًا رئيسيًا في تأمين احتياجات محطات الكهرباء والقطاعات الاقتصادية خلال فترات الذروة.

مصر سبق أن طرحت فكرة التغويز البري

وليست فكرة إنشاء محطة تغويز برية جديدة الأولى من نوعها في مصر ،فقد درست الحكومة في 2025 إقامة محطة مماثلة داخل مصنع إدكو لإسالة الغاز بمحافظة البحيرة، باستثمارات قدرت آنذاك بنحو 200 مليون دولار، إلا أن المشروع لم يدخل مرحلة التنفيذ بعد تعثر المفاوضات المتعلقة به.

أما المشروع الجديد في العين السخنة فيحمل أهمية مختلفة، لأنه يأتي في قلب منظومة قائمة بالفعل لاستقبال وتداول الغاز المسال، ما قد يوفر له ميزة البنية التحتية مقارنة بأي مشروع يبدأ من نقطة الصفر.

2.7 مليار قدم مكعبة يوميًا.. قدرة التغويز الحالية

وتظهر أهمية الخطوة الجديدة عند مقارنتها بالقدرات القائمة ،فبحسب بيانات رسمية صادرة عن وزارة البترول، كانت منظومة سفن التغويز العاملة في مصر تضم 3 سفن في منطقة العين السخنة وسفينة رابعة في دمياط، بإجمالي قدرة تغويز تصل إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعبة يوميًا.

كما أعلنت الوزارة في 2025 أن استقبال سفينة التغويز الثالثة في العين السخنة يمثل إضافة إلى مرونة الشبكة القومية وقدرتها على الاستجابة لمتغيرات الطلب، خصوصًا خلال أشهر الصيف.

وبالتالي، فإن إضافة وحدة برية جديدة لن تكون مجرد مشروع منفصل، وإنما جزء من إعادة تشكيل منظومة استقبال الغاز في مصر.

 ما الذي يعنيه المشروع للاقتصاد؟

المشروع يحمل أهمية تتجاوز تأمين الوقود ،فالبنية التحتية الجديدة للغاز تعني قدرة أكبر على توفير الطاقة لمحطات الكهرباء والمصانع، وهو ما يرتبط مباشرة باستقرار النشاط الصناعي وتقليل مخاطر نقص الإمدادات خلال فترات ذروة الاستهلاك.

كما أن مشروعات الطاقة الكبرى تفتح مساحة أمام البنوك والمؤسسات المالية لتمويل الإنشاءات، والتجهيزات، والخدمات اللوجستية، وعقود الإمداد والتخزين، وهو ما يجعل المشروع فرصة محتملة لسوق التمويل المصرفي إلى جانب أهميته في ملف أمن الطاقة.

وتأتي العين السخنة أصلًا ضمن منظومة استراتيجية لاستقبال وتداول وتخزين المنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعزز جاذبية المنطقة لمشروعات الطاقة الجديدة.

الخطوة التالية تحسمها المنافسة بين العروض

وتضع العروض الثلاثة الحكومة أمام أكثر من نموذج للتنفيذ والتخزين والطاقة المستقبلية.

ويبقى اختيار العرض النهائي مرتبطًا بالتكلفة، والجدول الزمني، وآلية التشغيل، وسعات التخزين، وإمكانية التوسع مستقبلًا، إضافة إلى شروط التعاقد والتمويل.

لكن الرسالة الأهم من المشروع واضحة: مصر لا تريد الاكتفاء بحلول مؤقتة لسد فجوة الغاز، وإنما تتحرك لبناء قدرة ثابتة يمكن أن تصبح جزءًا من البنية الأساسية لأمن الطاقة خلال السنوات المقبلة.

وبينما تواصل الدولة العمل على زيادة الإنتاج المحلي، فإن محطة العين السخنة البرية المقترحة قد تمثل أحد مفاتيح المرحلة المقبلة؛ مليار قدم مكعبة يوميًا في البداية، وقدرة أكبر إذا تطورت احتياجات السوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى