آسيا تهيمن على تجارة الذكاء الاصطناعي.. 13.7 تريليون دولار للتجارة العالمية

ارتفع حجم التجارة العالمية في السلع إلى 13.7 تريليون دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 12.5% على أساس سنوي، مدفوعًا بصورة رئيسية بقوة التجارة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وتكشف أحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» عن تحول أعمق في خريطة التجارة العالمية، مع صعود شرق آسيا باعتبارها المحرك الأقوى للنمو التجاري، بالتزامن مع توسع صادرات السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، تكشف البيانات عن تباطؤ متوقع في النمو الاقتصادي بالمنطقة خلال الفترة المقبلة، بما يعكس فجوة متزايدة بين قوة التجارة من ناحية وأداء الاقتصاد الكلي من ناحية أخرى.

شرق آسيا تقود نمو التجارة العالمية

بحسب تقرير «الأونكتاد» حول تحديث التجارة العالمية، سجلت منطقة شرق آسيا أقوى نمو تجاري خلال الربع الأول من عام 2026.

وحققت اقتصادات المنطقة، سواء المتقدمة أو النامية، معدلات نمو تجاوزت المتوسط العالمي بفارق كبير، بينما كانت الاقتصادات النامية المحرك الرئيسي لهذا الأداء.

وأظهرت البيانات أن تجارة الاقتصادات النامية، وكذلك التجارة بين بلدان الجنوب، حققت مكاسب قوية خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في الربع الأول من العام عند احتساب شرق آسيا.

لكن الصورة تتغير عند استبعاد المنطقة، إذ سجلت التجارة في الاقتصادات النامية انكماشًا إجماليًا، نتيجة تراجع الواردات والصادرات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

كوريا الجنوبية تتصدر نمو الصادرات

وتصدرت كوريا الجنوبية دول المنطقة من حيث نمو صادرات السلع، بعدما ارتفعت صادراتها بنسبة 20% مقارنة بالربع السابق.

وجاءت الصين في المركز الثاني بنمو بلغ 11%، تلتها اليابان بنسبة 4%.

كما سجلت كوريا الجنوبية أقوى نمو في صادرات الخدمات، بنسبة بلغت 9%.

وعلى جانب الواردات، تصدرت الصين دول المنطقة بنمو بلغ 13%، تلتها كوريا الجنوبية بنسبة 6%، ثم اليابان بنسبة 3%.

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة التجارة

ويشكل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات الجديدة للتجارة العالمية، إلى جانب قوة منطقة آسيا والمحيط الهادئ في صناعة السيارات والتكنولوجيا المتقدمة.

ووفقًا لشركة «أليانز تريد»، ارتفعت الصادرات العالمية من السلع الداعمة للذكاء الاصطناعي بنسبة 280% بين عامي 2014 و2025، لتصل إلى 3.8 تريليون دولار.

وتكشف هذه القفزة عن تحول الذكاء الاصطناعي من قطاع تقني إلى محرك رئيسي لسلاسل التجارة العالمية، بما يشمل الرقائق الإلكترونية ومكونات الحوسبة ومعدات مراكز البيانات والسلع المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.

آسيا تستحوذ على 65% من صادرات الذكاء الاصطناعي

ويشير تقرير «الأونكتاد» إلى هيمنة آسيا على جانب العرض في التجارة العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتمثل المنطقة نحو 65% من الصادرات العالمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، كما تضم سبعة من أكبر عشرة مصدرين عالميًا في هذا المجال.

وتتصدر الصين القائمة بحصة تبلغ 18% من الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تليها تايوان بنسبة 12%، ثم هونغ كونغ بنسبة 11%.

وتعكس هذه الأرقام تمركزًا واضحًا لقدرات إنتاج مكونات الاقتصاد الرقمي في آسيا، خصوصًا في مجالات الرقائق والحوسبة والمكونات الإلكترونية وسلاسل الإمداد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

تحالفات تجارية جديدة تعيد توزيع النفوذ

ولا يقتصر التحول في التجارة العالمية على معدلات الصادرات والواردات، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التحالفات التجارية بين الاقتصادات الكبرى.

وأظهرت البيانات زيادة اعتماد كندا التجاري على الصين بنسبة 0.9% بين الربع الأخير من عام 2025 والربع الأول من عام 2026، بالتزامن مع تراجع العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

وفي الوقت نفسه، أصبحت اقتصادات شرق آسيا، ومن بينها تايلاند وفيتنام، أكثر اعتمادًا على كل من الصين والولايات المتحدة، بما يعكس تعقيدًا متزايدًا في سلاسل الإمداد والتحالفات التجارية.

ارتفاع الأسعار يضخم قيمة التجارة

وحذر «الأونكتاد» من أن جزءًا كبيرًا من الزيادة المعلنة في قيمة التجارة العالمية لا يعكس بالضرورة نموًا مماثلًا في حجم السلع المتداولة.

وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتصنيع ساهم في تضخيم القيمة الاسمية للتجارة، كما غذى في الوقت نفسه الضغوط التضخمية.

وبالتالي، فإن ارتفاع قيمة التجارة العالمية بنسبة 12.5% لا يعني تلقائيًا أن الكميات المتداولة ارتفعت بالمعدل نفسه.

تباطؤ اقتصادي رغم قوة التجارة

وتبدو الصورة أكثر تعقيدًا عند الانتقال من مؤشرات التجارة إلى النمو الاقتصادي.

ويتوقع «الأونكتاد» تباطؤ نمو اقتصاد شرق آسيا إلى 3.7% خلال الفترة المتبقية من عام 2026، ويرتبط ذلك بصورة رئيسية بالاعتماد الكبير للمنطقة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.

كما يُتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الصيني إلى 4.6%، ضمن النطاق المستهدف المعدل حديثًا والبالغ بين 4.5% و5%.

وفي جنوب شرق آسيا، تشير التوقعات إلى استقرار النشاط الاقتصادي عند 4.3%.

أما جنوب آسيا، التي لا تزال المنطقة الفرعية الأسرع نموًا، فمن المتوقع أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي بها من 6.3% في عام 2025 إلى 5.5% خلال العام الحالي.

ويحذر التقرير من أن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري قد يزيد الضغوط التضخمية وتكاليف التمويل في المنطقة.

الاقتصاد العالمي أمام خريطة تجارية جديدة

وتشير بيانات «الأونكتاد» إلى أن التجارة العالمية تدخل مرحلة جديدة تتزايد فيها أهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحديد اتجاهات سلاسل الإمداد.

وتبرز آسيا بصورة خاصة باعتبارها مركزًا رئيسيًا للإنتاج والتصدير في الاقتصاد المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بينما تواصل الصين تعزيز موقعها في التجارة العالمية رغم التحديات المرتبطة بتباطؤ النمو.

لكن قوة التجارة لا تعني بالضرورة قوة اقتصادية شاملة، إذ تشير توقعات «الأونكتاد» إلى تباطؤ النمو في عدد من الاقتصادات الآسيوية خلال الفترة المقبلة.

وتكشف الصورة الإجمالية عن معادلة جديدة للاقتصاد العالمي: التجارة تنمو بقوة، والذكاء الاصطناعي يوسع الطلب على السلع التكنولوجية، لكن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتمويل يفرض ضغوطًا متزايدة على النمو.

وفي هذه المعادلة، تبدو آسيا المستفيد الأكبر من طفرة التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه تظل شديدة الحساسية لأسعار الطاقة والتحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى