الدكتور أحمد النعماني يكتب: مجلس «مستقبل مصر».. اقتصاد على طاولة واحدة

خبير مصرفي

أعتقد أن تشكيل مجلس إدارة جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يستحق قراءة مختلفة عن مجرد استعراض أسماء الأعضاء؛ فالتشكيل في حد ذاته يحمل رسالة اقتصادية واضحة حول طبيعة الدور الذي يستهدفه القانون الجديد للجهاز في الاقتصاد المصري.

فالقانون رقم 147 لسنة 2026، الذي صدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي ونُشر في الجريدة الرسمية، أعاد تنظيم الجهاز ليعمل ككيان ذي طبيعة خاصة، يتمتع بمرونة إدارية ومالية، ويستهدف تعظيم القوة الاقتصادية للدولة، ودعم التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي، مع زيادة مساحة مشاركة القطاع الخاص.

وهنا تأتي أهمية تركيبة مجلس الإدارة.

فعندما تجتمع في مجلس واحد خبرات وملفات مرتبطة بالمالية والتخطيط والاقتصاد والزراعة والري والتموين، إلى جانب الخبرات المصرفية والاستثمارية، فإننا أمام محاولة واضحة لربط الإنتاج بالتمويل، والأصول بالاستثمار، والاستثمار بالتنمية، والتنمية بالعائد الاقتصادي.

من الأرض إلى القيمة المضافة

القضية لم تعد مجرد استصلاح أراضٍ أو تنفيذ مشروعات كبرى.

التحدي الحقيقي هو: كيف نحول موارد مصر إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟

أي أن تتحول الأرض إلى إنتاج، والإنتاج إلى تصنيع، والتصنيع إلى صادرات، والصادرات إلى عملة أجنبية، والمشروعات إلى فرص عمل، والأصول إلى عوائد متكررة.

وهذه هي القراءة الاقتصادية الأهم لدور «مستقبل مصر».

فالقانون يمنح الجهاز دورًا أوسع في إنشاء وإدارة مناطق التنمية المستدامة، وجذب الاستثمارات، وإقامة المشروعات، وإبرام الشراكات مع القطاع الخاص والشركاء الدوليين، بما يدعم زيادة الإنتاج والنمو وخلق فرص العمل.

القطاع الخاص شريك وليس مجرد ممول

من أهم الرسائل الاقتصادية في القانون التأكيد على تعزيز دور القطاع الخاص.

وهذا مهم للغاية؛ لأن الدولة عندما تضع البنية الأساسية، وتوفر الأراضي والإطار التنظيمي، ثم تفتح المجال أمام رأس المال الخاص والخبرات الفنية والإدارية، فإن العائد المتوقع لا يتوقف عند المشروع نفسه، وإنما يمتد إلى سلاسل القيمة المرتبطة به.

موردون، ومصانع، ونقل ولوجستيات، وخدمات مالية، وتكنولوجيا، وتصدير، وفرص عمل.

وهنا يمكن أن يصبح «مستقبل مصر» منصة لجذب الاستثمار، وليس مجرد منفذ للمشروعات.

البعد المالي.. تعظيم العائد من أصول الدولة

أحد أهم أبعاد القانون اقتصاديًا هو التعامل مع الأصول والثروات باعتبارها موارد يمكن إدارتها واستثمارها وتعظيم عوائدها.

كما يتضمن القانون إنشاء صناديق تابعة للجهاز، بما يعزز القدرة على إدارة الأموال والأصول واستثمار العوائد وإعادة استثمارها.

وهذه فلسفة اقتصادية مهمة:

الدولة لا تحتاج فقط إلى امتلاك الأصول، وإنما تحتاج إلى تعظيم العائد الاقتصادي منها.

فالنجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الأراضي أو عدد المشروعات، وإنما بما تنتجه هذه الأصول من إيرادات وإنتاج وصادرات وقيمة مضافة وفرص عمل.

لماذا هذا التشكيل مهم في هذه المرحلة؟

لأن الاقتصاد المصري اليوم يحتاج إلى إدارة أكثر تكاملًا للموارد.

لدينا تحديات مرتبطة بالعملة الأجنبية، والواردات، والطاقة، والأمن الغذائي، وزيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، ورفع القدرة التصديرية.

ومن هنا، فإن الجمع بين الزراعة والمياه والتموين والتخطيط والمالية والاستثمار والخبرات المصرفية داخل منظومة واحدة يعكس محاولة لبناء قرار اقتصادي أكثر تكاملًا.

فالزراعة تحتاج إلى المياه، والإنتاج يحتاج إلى تمويل، والتصنيع يحتاج إلى استثمار، والتصدير يحتاج إلى لوجستيات وتمويل، وكل ذلك يحتاج إلى تخطيط وعائد اقتصادي واضح.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

القانون أعطى الجهاز صلاحيات وإمكانات كبيرة، لكن الأهم من الصلاحيات هو كفاءة استخدامها.

والنجاح، في رأيي، يجب أن يقاس بمؤشرات واضحة:

كم زاد الإنتاج؟

كم انخفضت فاتورة الاستيراد؟

كم ارتفعت الصادرات؟

كم وظيفة تم خلقها؟

كم استثمار خاص تم جذبه؟

وكم زاد العائد على أصول الدولة؟

هذه هي الأرقام التي ستحدد في النهاية مدى نجاح التجربة.

الرسالة الاقتصادية الأهم

في تقديري، تشكيل مجلس إدارة «مستقبل مصر» يعكس توجهًا نحو الانتقال من مفهوم إدارة المشروعات إلى مفهوم أكثر شمولًا، هو إدارة الأصول والموارد لتحقيق أعلى عائد اقتصادي وتنموي ممكن.

وهذا يتسق مع فلسفة القانون نفسه في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التنافسية، والحوكمة والشفافية، وتحويل الجهاز إلى محرك ومحفز للتنمية.

«مستقبل مصر» ليس فقط اسم جهاز، وإنما اختبار لقدرتنا على تحويل موارد الدولة إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة المضافة إلى قوة اقتصادية مستدامة.

وأعتقد أن البعد الاقتصادي في تشكيل مجلس الإدارة هو الرسالة الأهم التي يجب أن نتوقف أمامها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى