البنوك الكبرى تحاصر وكلاء الذكاء الاصطناعي.. هل تهدد الحسابات المصرفية؟

تتجه بنوك أمريكية كبرى إلى تقييد وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعين لجهات خارجية إلى الأنظمة المصرفية، في ظل مخاوف بشأن قدرة المؤسسات المالية على التمييز بين العمليات التي يفوضها العملاء فعليًا والأنشطة غير المصرح بها التي قد تنفذها وكلاء مستقلة أو مخترقة.
وتعيد هذه التطورات فتح ملف أمن المدفوعات المؤسسية، مع تزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام الرقمية، وظهور تساؤلات حول كيفية تحديد هوية الوكيل، والتحقق من صلاحياته، ومحاسبته عند تجاوز حدود التفويض الممنوح له.
5 بنوك أمريكية كبرى تقيد وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي
تشمل المؤسسات التي اتخذت إجراءات لتقييد وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي أو حظره جي بي مورجان تشيس، وبنك أوف أمريكا، وسيتي جروب، وويلز فارجو، ومورجان ستانلي.
وتتمحور المخاوف حول صعوبة التحقق مما إذا كان النشاط الرقمي صادرًا عن وكيل يعمل بتفويض صحيح من العميل، أم عن وكيل مارق ينفذ عمليات غير مصرح بها، وهو ما يجعل منح هذه الأدوات وصولًا مباشرًا إلى الحسابات والأنظمة المالية مسألة تتطلب ضوابط أكثر دقة.
وقال أندرو شيكيار، الرئيس التنفيذي لتحالف FIDO Alliance المعني بمعايير المصادقة، إن غياب بيانات اعتماد رقمية قابلة للتحقق لتحديد هوية وكلاء الذكاء الاصطناعي وصلاحياتهم يجعل تقييد وصولهم إلى الأنظمة المصرفية أو إلغاءه قرارًا مناسبًا في المرحلة الحالية.
وأضاف أن تحديات الثقة والمسؤولية والتفويض، التي ظهرت بالفعل في التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية، تصبح أكثر تعقيدًا عند التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي بدلًا من البشر.
الهويات الرقمية تفتح مسارًا للتحقق من الوكلاء
تُطرح الهويات الرقمية القابلة للتحقق باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد في بناء بيئة أكثر موثوقية للتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي، من خلال ربط كل وكيل بهوية موثقة وبصلاحيات محددة يمكن مراجعتها وتدقيقها.
وتُستخدم أنظمة الهوية الرقمية في عدد من الدول، إذ توفر السويد والنرويج هويات مصرفية رقمية تتيح الوصول إلى الخدمات المصرفية والاجتماعية. كما تعمل سنغافورة بنظام Singpass الذي يتيح للمقيمين الوصول إلى خدمات حكومية وتجارية عبر الإنترنت باستخدام المصادقة البيومترية أو المصادقة الثنائية.
وفي الاتحاد الأوروبي، تتجه الدول الأعضاء إلى إصدار محافظ هوية رقمية أوروبية، مع استهداف إتاحتها للمواطنين وقبولها لدى البنوك ومزودي المنصات الكبرى وفق المواعيد المحددة للمبادرة، رغم الشكوك التي أثيرت بشأن قدرة جميع الدول على الالتزام بالجدول الزمني.
أما في الولايات المتحدة، فتختلف تطبيقات الهوية الرقمية بين الولايات، حيث توفر أريزونا وكاليفورنيا وكولورادو وجورجيا وماريلاند ويوتا تراخيص قيادة رقمية يمكن تخزينها على الهواتف المحمولة.
ورغم انتشار هذه التطبيقات، يرى شيكيار أن استخدامها لا يزال غير منسق بالقدر الكافي، وأن كثيرًا من الأشخاص لا يعرفون كيفية الاستفادة منها، ما يبرز الحاجة إلى تطوير منظومة أكثر تكاملًا بين أنظمة الهوية الرقمية المختلفة.
معايير مشتركة لتحديد هوية وكيل الذكاء الاصطناعي وصلاحياته
يعمل تحالف FIDO مع منظمة المعايير الدولية ومؤسسة OpenID واتحاد شبكة الويب العالمية على تطوير منظومة هوية موثوقة وقابلة للتشغيل البيني، تسمح للأفراد بتخزين بيانات اعتمادهم الرقمية وإدارتها ومشاركتها، بما يشمل نسخًا رقمية من وثائق مثل رخص القيادة وجوازات السفر.
ويستهدف هذا التوجه إتاحة آلية تمكّن وكيل الذكاء الاصطناعي من إثبات هوية الشخص الذي فوضه، وتوضيح المهام المسموح له بتنفيذها، مع إمكانية تتبع الإجراءات والتحقق منها وتدقيقها.
ومن شأن تطبيق هذه المبادئ على الخدمات المالية أن يساعد المؤسسات المصرفية على التمييز بين الوكلاء المصرح لهم والوكلاء الذين يحاولون تجاوز صلاحياتهم، شريطة وجود معايير واضحة لتحديد نطاق التفويض ومراقبة تنفيذه.
تدقيق وكلاء الذكاء الاصطناعي يتطلب مراقبة مسار التنفيذ بالكامل
لا تقتصر التحديات على التحقق من الهوية، بل تمتد إلى مراجعة كيفية تنفيذ الوكيل للمهام داخل الأنظمة المؤسسية، خصوصًا عند التعامل مع المدفوعات والموافقات المالية والبيانات الحساسة.
وقال كريس ديميترياديس، مسؤول الاستراتيجية العالمية في جمعية ISACA المتخصصة في حوكمة تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني وإدارة المخاطر والتدقيق، إن مراجعة الضوابط التقليدية تركز على إجراءات منفردة، مثل الموافقة على معاملة أو التحقق من صلاحيات المستخدم أو مطابقة الدفعات مع التفويض.
لكن التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي يتطلب، بحسب ديميترياديس، اختبار سلامة التسلسل الكامل للإجراءات، والتحقق من صلاحيات الوكيل، ومراجعة انتقاله بين المهام، بما في ذلك المسارات غير المتوقعة التي قد يسلكها أثناء التنفيذ.
تحديثات النماذج والصلاحيات تستدعي إعادة تقييم المخاطر
شدد ديميترياديس على ضرورة إعادة تقييم ضوابط وكلاء الذكاء الاصطناعي كلما أجرت الشركة تحديثًا للنموذج المستخدم، أو أضافت اتصالًا بأداة جديدة، أو عدلت التعليمات الموجهة إليه، أو وسعت نطاق صلاحياته.
ودعا إلى اعتماد آلية لإدارة التغييرات وفق مستوى المخاطر بدلًا من التعامل مع جميع التحديثات بالطريقة نفسها، إلى جانب الاستعانة بأطر لتقييم نضج الذكاء الاصطناعي وقدراته، مثل إطار CMMI AIM، لتعزيز الثقة والحد من الشكوك.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في الخزانة المؤسسية، حيث يمكن أن يؤدي اتساع صلاحيات الوكلاء أو ضعف مراقبة عملياتهم إلى مخاطر تتعلق بالمدفوعات والامتثال والمساءلة.
القيود المصرفية حل مؤقت لحين تطوير ضوابط أكثر نضجًا
تعكس القيود التي فرضتها بنوك أمريكية على وصول وكلاء الذكاء الاصطناعي توجهًا احترازيًا لحماية الحسابات والأنظمة المالية، إلى حين تطور أدوات التحقق من الهوية والتفويض والرقابة بما يتناسب مع طبيعة هذه التقنيات.
ويظل التحدي الأساسي أمام القطاع المصرفي هو تحقيق التوازن بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في أتمتة المهام وتسريع العمليات، وبين ضمان أن كل إجراء مالي يصدر عن وكيل موثوق، ويقع ضمن صلاحيات محددة، ويمكن تتبعه ومراجعته عند الحاجة.









