الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي.. 6 أسئلة يجب أن يطرحها الطالب قبل دفع آلاف الدولارات

لم يعد اختيار الجامعة الأميركية يعتمد فقط على اسم المؤسسة أو ترتيبها الأكاديمي، بعدما فرض الذكاء الاصطناعي سؤالًا جديدًا على الطلاب والعائلات: هل تجهز الجامعة خريجيها فعلًا لسوق عمل يتغير بسرعة؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع ارتفاع تكلفة الدراسة؛ إذ قد تتجاوز التكلفة المعلنة في بعض الجامعات الخاصة المرموقة 100 ألف دولار سنويًا، شاملة الدراسة والسكن والطعام والمصاريف الأساسية.
لذلك، أصبح على الأسرة أن تنظر إلى ما هو أبعد من التصنيف والشهرة، وأن تبحث عن طريقة تعامل الجامعة مع الذكاء الاصطناعي، ومدى اهتمامها بمهارات التفكير والتواصل والقدرة على التكيف.
هارفارد تختبر معادلة جديدة
في بداية فصل الخريف، دعا ديفيد ديمينغ، عميد كلية هارفارد، إلى تشجيع استخدام الذكاء الاصطناعي عندما يسهم في تعميق التعلم، مع ضرورة استخدام اختبارات وأساليب تقييم تحد من فرص الغش.
وفي الوقت نفسه، اقترح دمج التكنولوجيا في مقررات الكتابة بدلًا من محاولة فرض حظر شامل عليها.
لكن هذا التوجه لم يحظَ بإجماع كامل داخل هارفارد؛ إذ يخشى بعض أساتذة العلوم الإنسانية أن يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف عملية الكتابة والتفكير والاستجابة الشخصية للأعمال الفنية والأدبية والفلسفية.
وتظل قواعد استخدام الذكاء الاصطناعي في هارفارد مرتبطة بكل أستاذ ومقرر، بينما تتجه الجامعة إلى إصدار إرشادات استرشادية خلال العام.
الجامعات نفسها لا تملك إجابة واحدة
المشكلة لا تقتصر على هارفارد. ففي كلية أمهرست، تتباين مواقف أعضاء هيئة التدريس بشدة، من العودة إلى الاختبارات التقليدية والشفهية، إلى تبني استخدام التكنولوجيا.
وفي العام الماضي، سمح رئيس الكلية مايكل إليوت باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض واجبات الأدب، بشرط توضيح كيفية استخدامها، لكنه أقر بأن التجربة نفسها جعلته يعيد التفكير في سياسته للمستقبل.
أما جامعة ميشيغان، فطرحت في سبتمبر مسودة مبادئ توجيهية على مستوى الجامعة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التدريس والتعلم، مع التركيز على الاستخدام المسؤول والأخلاقي وحماية الخصوصية.
وهكذا، لا توجد حتى الآن صيغة موحدة؛ فبعض الجامعات تضع قواعد مركزية، بينما تترك مؤسسات أخرى مساحة أكبر لكل أستاذ.
السؤال الأول: هل قواعد الذكاء الاصطناعي واضحة؟
بالنسبة للطالب، الغموض قد يكون مشكلة بحد ذاته.
لذلك، ينبغي معرفة ما إذا كانت الجامعة تحدد بوضوح ما يسمح به الذكاء الاصطناعي وما تمنعه، وكيف تختلف القواعد بين المقررات.
وتبرز هنا تجربة جامعة كاليفورنيا، بيركلي، حيث يضع الأساتذة قواعدهم الخاصة، بينما يطالب الطلاب بمزيد من التوحيد حتى لا يصبح استخدام الذكاء الاصطناعي ميزة غير عادلة للطلاب الذين يستخدمونه للغش.
لذلك، لا يكفي سؤال إدارة الجامعة عن وجود سياسة للذكاء الاصطناعي؛ الأفضل هو سؤال الطلاب أنفسهم عن كيفية تطبيقها داخل القاعات الدراسية.
السؤال الثاني: هل يحصل الأساتذة على التدريب الكافي؟
استخدام الذكاء الاصطناعي لا يغير حياة الطلاب فقط، بل يفرض على الأساتذة أيضًا تعلم طرق جديدة للتدريس والتقييم.
وترى كارين برينان، أستاذة تقنيات التعلم في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة هارفارد، أن أعضاء هيئة التدريس يحتاجون إلى الوقت للتجربة، إلى جانب دعم مؤسسي يتيح لهم مشاركة الخبرات والنجاحات والإخفاقات.
ومن ثم، يجب أن تسأل الأسرة عن برامج تدريب الأساتذة، لا عن عدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي تمتلكها الجامعة فقط.
السؤال الثالث: هل سيتعلم الطالب الذكاء الاصطناعي مهما كان تخصصه؟
لم يعد تعلم الذكاء الاصطناعي حكرًا على طلاب علوم الحاسوب والهندسة.
وتقدم جامعة فلوريدا نموذجًا واضحًا؛ فبعد تبرع بقيمة 70 مليون دولار من خريجها والمؤسس المشارك لإنفيديا كريس مالاشوفسكي، أطلقت الجامعة مبادرة تعرف باسم «جامعة الذكاء الاصطناعي».
وتضم المبادرة أكثر من 200 مقرر في تخصصات مختلفة تحمل تصنيف الذكاء الاصطناعي، فيما درس نحو 70% من الخريجين مقررًا واحدًا منها على الأقل.
لكن عدد المقررات لا يمثل القصة كاملة.
ففي جامعة ولاية أريزونا، يتجاوز التعليم المطلوب مجرد استخدام أدوات مثل «تشات جي بي تي» و«كلود»، ليشمل فهم كيفية عمل الذكاء الاصطناعي، وتقييم تحيزاته وحدوده، ومعرفة متى يكون استخدامه مناسبًا، وكيف يمكن توظيفه داخل كل تخصص.
السؤال الرابع: هل تحافظ الجامعة على مهارات الإنسان؟
مع انتشار الذكاء الاصطناعي، تزداد قيمة مهارات قد لا تستطيع التكنولوجيا أن تحل محلها بسهولة، وفي مقدمتها التفكير النقدي والتواصل والعمل مع الآخرين.
ولهذا، ينبغي ألا تنخدع الأسرة بكثرة الحديث عن الذكاء الاصطناعي، بل تبحث عن برامج حقيقية تساعد الطالب على تطوير هذه القدرات.
وتوسع جامعة ستانفورد، اعتبارًا من خريف 2027، برنامجها الإلزامي للتعليم المدني والليبرالي والعالمي لطلاب السنة الأولى من فصلين إلى 3 فصول دراسية.
الفكرة هنا أن الجامعة لا ينبغي أن تجهز الطالب لوظيفته الأولى فقط، وإنما تمنحه قاعدة معرفية ومهارات تساعده على التعامل مع تغيرات الحياة والعمل.
السؤال الخامس: هل يستطيع الطالب تغيير مساره؟
في سوق عمل سريع التغير، قد لا يكون اختيار تخصص واحد في سن 18 عامًا كافيًا لضمان المستقبل.
ويرى رئيس كلية أمهرست أن أهمية التخصص الجامعي قد تتراجع مستقبلًا، بينما تزداد الحاجة إلى المرونة واكتساب مجموعة متنوعة من المهارات.
لذلك، ينبغي للطالب أن يعرف قبل الالتحاق بالجامعة مدى سهولة تغيير التخصص أو إضافة تخصص ثانٍ، وإمكانية دراسة مقررات من مجالات مختلفة دون تأخير موعد التخرج.
كما يجب النظر إلى الخدمات المهنية، وفرص التدريب، ومدى ارتباط البرامج التعليمية بالتغيرات التي يشهدها سوق العمل.
السؤال السادس: ماذا سيحدث بعد التخرج؟
هذا هو السؤال الذي يجمع كل ما سبق.
فالجامعة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لمجرد مواكبة الموضة تختلف عن الجامعة التي توظفه لإعداد الطالب فعليًا لما سيواجهه بعد التخرج.
وتقدم جامعة دريكسل مثالًا على ربط الدراسة بسوق العمل؛ إذ يشارك أكثر من 90% من طلابها في برنامج تعاوني يمكن أن يوفر لهم ما يصل إلى 3 وظائف مدفوعة لمدة 6 أشهر، بدءًا من السنة الثانية، بالتناوب بين الدراسة والعمل.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: كيف تستخدم الجامعة الذكاء الاصطناعي حتى يكون الطالب أكثر استعدادًا لما سيفعله بعد الحصول على الشهادة؟
التصنيف وحده لم يعد كافيًا
تأتي هذه التحولات في وقت يواجه فيه التعليم العالي الأميركي ضغوطًا متعددة، بينها ارتفاع تكلفة الدراسة، وتراجع معدلات المواليد منذ 2008، وتزايد التساؤلات حول جدوى الحصول على شهادة جامعية مدتها 4 سنوات.
وفي تصنيف فوربس لأفضل الكليات الأميركية لعام 2027، تصدر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا القائمة للعام الثاني على التوالي، بينما دخلت جامعات رابطة اللبلاب الثماني جميعها قائمة أفضل 20، وظهرت 5 منها ضمن المراكز العشرة الأولى.
كما دخلت جامعة فاندربيلت للمرة الأولى قائمة أفضل 10 جامعات، مستفيدة من معدل تخرج بلغ 94% وانخفاض ديون الطلاب.
لكن التصنيف نفسه يعتمد بدرجة أساسية على نتائج الطلاب، مثل معدلات التخرج والديون ودخل الخريجين والعائد على الاستثمار، وليس على السمعة وحدها.
تكلفة الجامعة تدخل المعادلة
تزداد أهمية العائد على الاستثمار عندما تتجاوز تكلفة الدراسة في بعض الجامعات الخاصة 100 ألف دولار سنويًا.
وفي المقابل، تقدم بعض الجامعات الخاصة الغنية تعليمًا مجانيًا للأسر التي يصل دخلها إلى 250 ألف دولار سنويًا، لكن الاستفادة من هذه المزايا تظل محدودة بسبب انخفاض معدلات القبول في بعض هذه المؤسسات إلى نحو 3%.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى الرسوم المعلنة وحدها، بل إلى التكلفة الفعلية بعد المنح والمساعدات، ثم مقارنتها بالدخل المتوقع وفرص العمل بعد التخرج.
ماذا بعد؟
المعادلة الجديدة لا تقول إن الجامعة الأفضل هي التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بأكبر قدر، ولا إن الجامعة التي تقيده هي الأكثر محافظة على جودة التعليم.
الأهم هو كيف تستخدم المؤسسة هذه التكنولوجيا، وما الذي تفعله لحماية التفكير المستقل، وتطوير مهارات الطالب، وربطه بسوق العمل.
وفي النهاية، قد يصبح السؤال الأهم قبل اختيار الجامعة الأميركية ليس «ما ترتيبها؟»، وإنما: هل ستجعلني أكثر قدرة على التكيف عندما يتغير سوق العمل مرة أخرى؟









