الحرب تقلب سوق النفط.. أوبك+ تفقد نفوذها والصين تصبح «المنتج المتأرجح» الجديد

بعد ستة أشهر من الحرب الإيرانية، يواجه تحالف أوبك+ وضعًا غير مسبوق؛ فالمجموعة التي طالما امتلكت القدرة على تحريك أسعار النفط عبر التحكم في الإنتاج، باتت أقل قدرة على التأثير في السوق، بعدما أدت الحرب إلى تعطيل صادرات رئيسية من الشرق الأوسط وتراجع حصة التحالف من الإنتاج العالمي.
ووفق حسابات «رويترز» استنادًا إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية، تراجعت حصة أوبك+ من إنتاج النفط العالمي إلى نحو 40% في يوليو 2026، مقابل أكثر من 48% قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير.
والأهم أن مركز الثقل في السوق بدأ يتحول تدريجيًا من جانب العرض الذي كانت أوبك+ تتحكم فيه، إلى جانب الطلب الذي أصبحت الصين لاعبًا أكثر تأثيرًا فيه.
أوبك+ تخسر جزءًا من قوتها في سوق النفط
لم يعد حجم الإنتاج وحده هو المشكلة أمام أوبك+، وإنما القدرة على إيصال النفط إلى الأسواق.
فإغلاق مضيق هرمز فعليًا أدى إلى تقييد حركة صادرات عدد من كبار المنتجين، وفي مقدمتهم السعودية والعراق والكويت.
وهذا التطور أضعف إحدى أهم أدوات التحالف؛ وهي القدرة على زيادة الإمدادات أو خفضها بسرعة استجابة لتحركات الأسعار.
وبحسب البيانات، لم تتجاوز حصة المجموعة الأساسية المكونة من سبعة منتجين، من بينهم السعودية وروسيا، نحو 25% من إنتاج النفط العالمي في يوليو.
وهذا يعني أن قدرة أوبك+ على لعب دور «المنتج المتأرجح» أصبحت أكثر محدودية في ظل اضطراب الإمدادات.
6 زيادات في الإنتاج.. لكن النفط لم يصل إلى السوق
المفارقة الأكثر وضوحًا ظهرت في قرارات أوبك+ منذ مارس.
فقد أعلنت المجموعة الأساسية ست زيادات في إنتاج النفط، لكن تأثير هذه القرارات ظل محدودًا، لأن الحرب ومضيق هرمز حالا دون وصول جزء كبير من الكميات الإضافية إلى الأسواق العالمية.
وبالتالي، تغير السؤال الذي يطرحه المتداولون.
في السابق كان السؤال: كم برميلًا ستضخ أوبك+؟
أما الآن فأصبح السؤال: كم برميلًا تستطيع أوبك+ إنتاجه وتصديره فعليًا؟
وهذا تحول جوهري في طريقة تسعير النفط.
مضيق هرمز يضرب «سلاح» أوبك+
يمر عبر مضيق هرمز جزء ضخم من تجارة النفط العالمية، ولذلك فإن تعطيل الملاحة فيه لا يؤثر فقط على الكميات المتاحة، وإنما يقيد قدرة المنتجين على استخدام طاقاتهم الإنتاجية كأداة لإدارة السوق.
وتاريخيًا، واجهت أوبك اضطرابات كبيرة في الإمدادات، من الكويت خلال حرب الخليج عام 1990 إلى العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003.
لكن الوضع الحالي مختلف من حيث اتساع نطاق التأثير، إذ تواجه عدة دول منتجة قيودًا على الإنتاج والتصدير في الوقت نفسه.
وهذا يقلص قدرة التحالف على تعويض فقدان الإمدادات من دولة بزيادة الإنتاج في دولة أخرى.
من 48% إلى 40%.. الرقم الذي يكشف التحول
تراجع حصة أوبك+ من أكثر من 48% إلى نحو 40% من الإنتاج العالمي لا يعني أن التحالف فقد قدرته على التأثير في السوق بشكل كامل.
لكن الرقم يكشف أن وزن المجموعة أصبح أقل مقارنة بما كان عليه في فترات سابقة.
وتعود جذور هذا التراجع إلى عوامل هيكلية بدأت قبل الحرب، من بينها زيادة إنتاج النفط خارج أوبك، قبل أن تضيف الحرب عاملًا جديدًا يتمثل في صعوبة تصدير النفط حتى عندما تكون القدرة الإنتاجية متاحة.
كما أن انسحاب الإمارات العربية المتحدة من أوبك في مايو ساهم بنحو 4 إلى 5 نقاط مئوية من التراجع المحسوب في حصة المجموعة.
الصين تنتزع دور «الطلب المتأرجح»
وفي الوقت الذي تراجعت فيه قدرة أوبك+ على إدارة جانب العرض، برزت الصين بصورة متزايدة كعامل رئيسي في تحديد اتجاه الطلب العالمي.
ومنذ بداية الحرب، خفضت الصين مشترياتها من النفط الخام بنحو 400 مليون برميل مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق الحسابات الواردة في التقرير.
ويمثل هذا التراجع عاملًا مهمًا في الحد من ارتفاع أسعار النفط، خصوصًا في وقت يشهد فيه السوق اضطرابًا كبيرًا في الإمدادات.
وتعود أسباب ضعف الطلب الصيني إلى مجموعة من العوامل، بينها حظر تصدير الوقود، وتراجع نشاط التكرير، إلى جانب التوسع في استخدام السيارات ووسائل النقل الكهربائية.
الصين تفعل ما كانت أوبك+ تفعله
تكمن المفارقة في أن الصين بدأت تؤدي وظيفة كانت مرتبطة تاريخيًا بأوبك+.
فبدلًا من أن يكون المنتج المتأرجح هو العنصر الذي يوازن السوق عبر تعديل المعروض، أصبح المستهلك الصيني أكثر قدرة على التأثير في التوازن من خلال تغيير حجم مشترياته.
وقالت جون جوه، المحللة في شركة «سبارتا للسلع»: «لقد أصبحوا مركز الطلب المتأرجح».
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية كبيرة؛ لأن الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام عالميًا، وبالتالي فإن تغير وارداتها يمكن أن ينعكس بسرعة على توقعات الطلب والأسعار.
400 مليون برميل ترسم سقفًا لأسعار النفط
كان ضعف الطلب الصيني أحد أبرز العوامل التي ساعدت على وضع سقف لأسعار النفط خلال العام الحالي.
وفي المقابل، جاءت الصورة مختلفة العام الماضي، عندما رفعت الصين مشترياتها بصورة كبيرة، وربما ساهمت في نحو نصف نمو الطلب العالمي على النفط خلال تلك الفترة.
وهكذا أصبح السوق أكثر حساسية لحركة الاقتصاد الصيني، ومعدلات التكرير، واستهلاك الوقود، وسرعة التحول إلى السيارات الكهربائية.
نهاية عصر «أوبك+»؟
لا يعني ذلك أن أوبك+ أصبحت بلا أهمية.
فالتحالف لا يزال يضم كبار منتجي النفط، وتظل قرارات السعودية وروسيا ودول الخليج مؤثرة في السوق.
لكن الحرب كشفت نقطة ضعف جديدة: القدرة على اتخاذ قرار إنتاجي لا تعني بالضرورة القدرة على تنفيذ هذا القرار في السوق العالمية.
وهنا تختلف المرحلة الحالية جذريًا عن عام 2019، عندما كانت الأسواق تراقب اجتماعات أوبك+ بدقة لمعرفة حجم الإنتاج الذي ستضيفه المجموعة أو تسحبه.
أما اليوم، فقد أصبح المتداولون يراقبون عاملين معًا: قدرة المنتجين على تصدير النفط، وقدرة الصين على استيعاب المزيد منه.
سوق النفط أمام معادلة جديدة
تدخل سوق النفط مرحلة مختلفة في 2026.
فالحرب قلصت قدرة أوبك+ على إدارة الإمدادات، بينما ساهم ضعف الطلب الصيني في تخفيف أثر اضطرابات المعروض.
وبذلك انتقل جزء من القوة التسعيرية من المنتجين إلى المستهلك الأكبر.
لكن استمرار هذا التحول سيعتمد على مدة الحرب، ومستقبل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وحجم إنتاج النفط خارج أوبك، وكذلك سرعة نمو الطلب الصيني.
وفي النهاية، فإن التحول الأهم ليس أن حصة أوبك+ تراجعت إلى 40% فقط، وإنما أن قواعد التأثير في سوق النفط بدأت تتغير: من تحالف يتحكم في البراميل إلى مستهلك ضخم يتحكم في الطلب.









