الذهب يتحدى عوائد السندات فوق 5%.. ديون الحكومات تعيد رسم علاقة المعدن بالفائد

تتغير العلاقة التقليدية بين الذهب وعوائد السندات الحكومية مع استمرار صعود الدين العام والتضخم ومخاوف المستثمرين بشأن القوة الشرائية للعملات، بعدما أظهر المعدن قدرة لافتة على الصمود فوق 4000 دولار للأونصة رغم ارتفاع عوائد السندات الأمريكية إلى مستويات تتجاوز 5%.
ويرى محللون ومديرو صناديق شاركوا في المؤتمر العالمي للمعادن الثمينة التابع لجمعية سوق لندن للسبائك LBMA في سورينتو بإيطاليا، أن هذه المرونة قد تعكس تحول اهتمام المستثمرين من أثر أسعار الفائدة وحده إلى مخاطر أوسع مرتبطة بالدين والعجز المالي واستدامة العملات.
الذهب يصمد أمام عوائد كان يفترض أن تضغط عليه
في الظروف التقليدية، يؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب، لأنه لا يدر فائدة، وهو ما يفترض أن يدفع المستثمرين نحو أدوات الدخل الثابت.
لكن فيكرام داوان، رئيس السلع ومدير الصناديق في «نيبون إنديا ميوتشوال فاند»، يرى أن هذه القاعدة لم تعد تعمل بالقوة نفسها التي كانت عليها قبل سنوات.
وأوضح أن الارتباط السلبي بين الذهب والعوائد لا يزال قائمًا على المدى القصير، إلا أنه ضعف بصورة كبيرة عند النظر إلى فترات تمتد لعام وعامين وثلاثة أعوام منذ جائحة كورونا، بل تحول أحيانًا إلى علاقة إيجابية.
وبحسب داوان، فإن قدرة الذهب على الحفاظ على دعمه فوق 4000 دولار رغم ارتفاع العوائد فوق 5% تحمل إشارة مهمة بشأن الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إلى المخاطر في السوق.
عندما يصبح ارتفاع العائد إشارة إلى أزمة الدين
يرى داوان أن ارتفاع عوائد السندات قد لا يعكس فقط توقعات نمو أقوى أو سياسة نقدية أكثر تشددًا، بل قد يعكس أيضًا ارتفاع علاوة الأجل، أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل تحمل مخاطر الاحتفاظ بالدين الحكومي لفترات أطول.
وتزداد أهمية هذا العامل مع استمرار نمو الدين العالمي بمستويات ضخمة، بالتزامن مع محدودية قدرة الحكومات على خفض الإنفاق والعجز بسرعة.
وقال داوان إن الصورة التي يراها في المالية العامة تتمثل في ارتفاع الدين دون ظهور مؤشرات واضحة على انضباط مالي مماثل.
وهنا يتحول ارتفاع العوائد من عامل سلبي مباشر للذهب إلى مؤشر محتمل على تصاعد المخاوف بشأن استدامة الدين الحكومي.
«خفض قيمة العملة» يتحول إلى رهان طويل الأجل
ناقش المشاركون في جلسة «القصة الهيكلية والتجارة التكتيكية والتوفيق بين سردية تدهور قيمة العملة» ما يعرف برهان خفض قيمة العملات، والذي يقوم على فكرة أن تراكم الديون والتضخم قد يؤديان على المدى الطويل إلى تراجع القوة الشرائية للنقود.
وقال شاين ماكغواير، مدير المحافظ الاستثمارية في نظام تقاعد المعلمين في تكساس، إن الفكرة ليست جديدة تاريخيًا، إذ كانت الحكومات تلجأ في السابق إلى تقليل المحتوى المعدني الثمين في العملات من أجل خفض قيمتها.
أما في النظام النقدي الحديث، فيرى ماكغواير أن تزايد الدين يعيد هذه المخاوف بصورة مختلفة، إذ يخشى المستثمرون أن تؤدي معالجة أعباء الدين إلى استمرار التضخم، بما يضعف قيمة العملات الحقيقية بمرور الوقت.
المشترون التقليديون للسندات يتغيرون
يشير داوان إلى تحول آخر في سوق الديون السيادية، يتمثل في تغير قاعدة المستثمرين الذين يشترون السندات الحكومية.
فالبنوك المركزية وصناديق التقاعد كانت تاريخيًا أقل حساسية لتحركات الأسعار والعوائد، بينما أصبح مستثمرون من القطاع الخاص أكثر حضورًا، مع مطالبتهم بتعويض أكبر مقابل تحمل مخاطر المدة والمخاطر المالية.
وقد يؤدي هذا التغير إلى إبقاء علاوة الأجل مرتفعة لفترة أطول، بما يخلق علاقة أقل وضوحًا بين تحركات السندات والذهب.
وبمعنى آخر، قد ترتفع عوائد السندات والذهب في الوقت نفسه، عندما يكون المحرك الأساسي للسوق هو القلق من الوضع المالي للحكومات وليس مجرد توقع تشديد السياسة النقدية.
صناديق التقاعد قد تعيد حساباتها تجاه الذهب
يرى ماكغواير أن هذه التحولات قد تدفع الذهب تدريجيًا إلى موقع أكثر أهمية في المحافظ الاستثمارية للمؤسسات.
وأوضح أن الذهب ظل لفترة طويلة خارج نقاشات تخصيص الأصول لدى بعض أكبر صناديق التقاعد الأمريكية، لأن حجم المخصصات له كان صغيرًا بما يكفي لعدم إحداث تأثير ملموس في أداء المحافظ.
لكن ارتفاع تحديات سوق السندات قد يدفع المؤسسات إلى إعادة النظر في هذا الموقف.
ويشير ماكغواير إلى أن الذهب، رغم عدم دفعه عائدًا دوريًا، سجل مكاسب في السنوات الأخيرة مقارنة بعدد من أدوات السندات، وهو ما قد يعزز حجته باعتباره أداة لتنويع المخاطر وحماية القوة الشرائية.
الصين تضخ طلبًا ثابتًا على الذهب عند التراجعات
لم تقتصر النقاشات على الأسواق الغربية؛ إذ سلط المشاركون الضوء على قوة الطلب من آسيا، وخاصة الصين.
وقال وي يان، مدير محافظ الاقتصاد الكلي لدى «دايمون آسيا»، إن المستثمرين الصينيين يملكون خيارات أقل لحماية ثرواتهم في ظل الضغوط التي تعرضت لها أسواق العقارات والأسهم المحلية.
ولذلك، لا ينظر المستثمر الصيني بالضرورة إلى ارتفاع العوائد الحقيقية في الأسواق الغربية باعتباره سببًا كافيًا للتخلي عن الذهب.
وقال يان إن المستثمرين الصينيين يواصلون الشراء عند انخفاض الأسعار، مشيرًا إلى أن أداء الذهب خلال ساعات التداول الآسيوية كان أفضل نسبيًا، وهو ما يعكس استمرار الطلب من المنطقة.
الأجيال الشابة تضيف سببًا جديدًا للطلب
يرى داوان أن تغير سلوك المستثمرين قد يوسع قاعدة الطلب على الذهب بين الأجيال الجديدة.
فالتضخم المستمر في أسعار السلع والخدمات يجعل بعض المستثمرين يشعرون بأن ثرواتهم الحقيقية تتراجع حتى عندما تحقق محافظهم عوائد اسمية.
ومع تصاعد هذا الإحساس، قد تصبح الأصول الملموسة، وفي مقدمتها الذهب، أكثر جاذبية باعتبارها وسيلة للحفاظ على القوة الشرائية على المدى الطويل.
ويرى داوان أن الذهب يحقق بالنسبة إلى هذه الفئة عددًا من خصائص الأصل المادي الذي يمكن اللجوء إليه عندما تتزايد المخاوف بشأن قيمة المال.
الديون الأمريكية تعود إلى قلب قصة الذهب
لا يرى المشاركون في النقاش أن هذه المشكلة مرتبطة بحكومة أو حزب سياسي بعينه.
وأشار ماكغواير إلى أن العجز الأمريكي توسع في ظل الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، معتبرًا أن المشكلة المالية أصبحت أكثر ارتباطًا بالمسار طويل الأجل للدين والعجز من ارتباطها بتغير الحزب الموجود في السلطة.
وهذه النقطة مهمة بالنسبة إلى الذهب، لأن استدامة المالية العامة لا تتغير بالضرورة بسرعة مع تغيير الإدارة السياسية، بينما يمكن أن تؤثر على توقعات التضخم والعملة والعوائد لفترات طويلة.
الطلب المادي يتراجع.. والصعود لن يكون مستقيمًا
ورغم النظرة الإيجابية طويلة الأجل، حذر المشاركون من أن رهان خفض قيمة العملات لا يعني أن أسعار الذهب ستواصل الصعود دون تصحيحات.
وقال داوان إن الطلب المادي التقليدي تراجع بصورة ملحوظة مع ارتفاع أسعار الذهب، ما يخلق حالة من عدم اليقين بشأن توقيت عودة مشتري المجوهرات والمستهلكين الأكثر حساسية للسعر.
وقد يعني ذلك استمرار تقلب الذهب أو تحركه داخل نطاقات سعرية على المدى القصير والمتوسط، حتى لو ظلت العوامل الهيكلية الداعمة موجودة.
4000 دولار.. مستوى الدعم الذي يراقبه السوق
يأتي هذا النقاش بينما يحتفظ الذهب بدعم رئيسي فوق 4000 دولار للأونصة، وهو المستوى الذي اكتسب أهمية فنية واستثمارية بعد صعود المعدن بقوة في السنوات الأخيرة.
وتشير أحدث تحليلات سوق الذهب إلى أن تجاوز العلاقة التقليدية بين المعدن والعوائد بات موضوعًا رئيسيًا في نقاشات المستثمرين، بالتزامن مع ارتفاع الدين الحكومي واستمرار مشتريات البنوك المركزية.
وبحسب داوان وماكغواير، فإن استمرار الذهب في الصمود أمام عوائد مرتفعة قد يعني أن السوق لا يتعامل معه حاليًا باعتباره مجرد أصل منافس للسندات، وإنما باعتباره تحوطًا من مخاطر الدين والتضخم وتآكل قيمة العملات.
الذهب أمام معادلة جديدة
تظهر خلاصة نقاش مؤتمر LBMA أن قصة الذهب لم تعد تختصر في سؤال واحد: هل سترتفع الفائدة أم تنخفض؟
فالسوق يراقب في الوقت نفسه حجم الدين، ومسار العجز، وعلاوة الأجل، وثقة المستثمرين في العملات، ومشتريات البنوك المركزية، والطلب الآسيوي.
وإذا استمرت هذه العوامل في التطور بالتزامن، فقد تصبح قدرة الذهب على الصمود أمام ارتفاع عوائد السندات واحدة من أهم الإشارات التي تحدد مساره خلال المرحلة المقبلة، حتى مع بقاء احتمالات التصحيح والتذبذب مرتفعة.









