الصين تشتري ذهبًا أكثر مما تعلن.. و«جولدمان ساكس» يثبت هدف 4900 دولار

تواصل البنوك المركزية شراء الذهب بوتيرة قوية، في إشارة جديدة إلى استمرار الطلب الرسمي على المعدن النفيس، بينما تشير تقديرات «جولدمان ساكس» إلى أن الصين تشتري كميات من الذهب تفوق ما يظهر في بياناتها الرسمية.
وقدر البنك أن مشتريات البنوك المركزية بلغت نحو 44 طنًا في يوليو 2026، مقابل متوسط شهري قدره 17 طنًا في السنوات التي سبقت 2022، بينما بلغ اتجاه المشتريات على أساس معدل موسميًا لمدة 3 أشهر نحو 91 طنًا شهريًا.
وتدعم هذه البيانات استمرار «جولدمان ساكس» في توقع وصول سعر الذهب إلى 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026، مع بقاء مخاطر صعودية، وإن كان البنك يحذر في الوقت نفسه من تقلبات أكبر في الاتجاهين.
الصين تشتري 35 طنًا.. لكن الرقم ليس رسميًا
تقدّر أبحاث «جولدمان ساكس» أن الصين اشترت نحو 35 طنًا من الذهب خلال يوليو، لتصبح أكبر مشترٍ يمكن تحديده خلال الشهر بفارق كبير.
لكن الرقم لا يمثل إفصاحًا رسميًا من بنك الشعب الصيني، وإنما هو تقدير مبني على نموذج جولدمان لتتبع تدفقات الذهب، خصوصًا عبر سوق التداول خارج البورصة في لندن.
وتشير تقديرات أخرى نقلت بيانات النموذج إلى أن مشتريات الصين المقدرة في يوليو كانت تقارب ضعف ما ظهر في البيانات الرسمية لذلك الشهر.
وهنا تكمن أهمية الرقم: فالسوق قد يكون أمام طلب فعلي أكبر من الطلب الذي تظهره بيانات الاحتياطيات الرسمية.
لماذا تختلف تقديرات جولدمان عن الأرقام الرسمية؟
يعتمد نموذج «جولدمان ساكس» على تتبع حركة الذهب عبر سوق لندن خارج البورصة، ثم انتقال السبائك إلى خزائن محلية أو إلى شركات حفظ تابعة لجهات خارجية.
وتسمح هذه الطريقة برصد بعض عمليات الشراء التي قد لا تظهر فورًا في بيانات الاحتياطيات الرسمية.
وبالتالي، لا يعني ارتفاع تقديرات جولدمان أن الصين أعلنت عن شراء 35 طنًا، بل يعني أن البنك يرى أن تدفقات الذهب تشير إلى مشتريات أكبر من الرقم المعلن رسميًا.
44 طنًا في يوليو.. والاتجاه الحقيقي أعلى
قدرت أبحاث «جولدمان ساكس» إجمالي مشتريات البنوك المركزية من الذهب بنحو 44 طنًا في يوليو.
ورغم أن هذا الرقم أقل من بعض مستويات الشراء المسجلة خلال أشهر سابقة، فإنه يظل أكثر من ضعف المتوسط الشهري البالغ 17 طنًا قبل عام 2022.
وعلى أساس معدل موسميًا لمدة ثلاثة أشهر، ارتفع اتجاه المشتريات إلى نحو 91 طنًا شهريًا، ما يعكس استمرار الطلب الرسمي على الذهب كأصل احتياطي.
كما تشير أبحاث جولدمان إلى أن مشتريات البنوك المركزية تسارعت إلى نحو 100 طن شهريًا في يونيو على أساس معدل موسميًا لمدة ثلاثة أشهر، مقارنة بنحو 66 طنًا في مايو.
بنك إنجلترا يكشف فجوة أخرى
هناك مؤشر آخر دفع «جولدمان ساكس» إلى التحفظ بشأن تقديراته.
فقد ارتفعت حيازات الذهب المحتفظ بها لدى بنك إنجلترا لحساب بنوك مركزية أجنبية بنحو 63 طنًا في يوليو.
وكانت هذه الزيادة أكبر من الانخفاض المسجل في خزائن الذهب التابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك خلال الشهر نفسه.
ويرى جولدمان أن ذلك قد يعني وجود مشتريات إضافية من البنوك المركزية لم تدخل بالكامل في تقديرات يوليو الحالية.
بمعنى آخر، قد يكون الرقم الفعلي للطلب الرسمي على الذهب أعلى من الرقم الذي تمكن نموذج البنك من رصده.
لماذا يصر جولدمان ساكس على 4900 دولار؟
يبني «جولدمان ساكس» توقعه البالغ 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026 على استمرار عدة عوامل في الوقت نفسه.
أولها استمرار مشتريات البنوك المركزية، التي يتوقع البنك أن يبلغ متوسطها 50 طنًا شهريًا خلال 2026.
كما يفترض استمرار تعافي طلب المستثمرين من القطاع الخاص على صناديق الذهب المتداولة ETFs، بالتزامن مع بقاء السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي داعمة نسبيًا للذهب.
ويعتبر البنك أن تنويع البنوك المركزية لاحتياطياتها بعيدًا عن بعض الأصول المقومة بالعملات الأجنبية يمثل اتجاهًا هيكليًا متعدد السنوات، وليس مجرد موجة شراء مؤقتة.
خيارات الشراء قد تدفع الذهب إلى ما هو أبعد
المفاجأة الأكبر في تحليل جولدمان لا تتعلق فقط بمشتريات البنوك المركزية.
فالبنك يرى أن ارتفاع الطلب على خيارات شراء الذهب للتحوط من التغيرات الكبيرة في السياسات الحكومية والاقتصادية يمكن أن يزيد تقلبات الأسعار.
ومع صعود الذهب واقترابه من مستويات تنفيذ بعض خيارات الشراء، قد يضطر المتعاملون الذين باعوا هذه الخيارات إلى شراء الذهب للتحوط من مراكزهم.
وهذا قد يؤدي إلى تأثير متسلسل:
ارتفاع الذهب → تفعيل خيارات شراء → زيادة تحوط المتعاملين → مزيد من مشتريات الذهب → تسارع الصعود.
ويشير جولدمان إلى أن توقع 4900 دولار لا يتضمن بالكامل تأثير ارتفاع الطلب على التحوط عبر مشتقات الذهب، وهو ما يفتح المجال أمام الأسعار لتجاوز توقع البنك إذا استمرت هذه التدفقات.
لكن هناك سيناريو معاكس.. الذهب قد يهبط إلى 4440 دولارًا
رغم النظرة الصعودية، لا يستبعد «جولدمان ساكس» تصحيحًا حادًا.
فإذا عادت الأسواق إلى توقعات أكثر تشددًا بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، فقد تتراجع جاذبية الذهب كأداة للتحوط من مخاطر الاقتصاد الكلي.
وقد تتزامن هذه التطورات مع بيع المستثمرين في صناديق الذهب الحساسة لأسعار الفائدة، إضافة إلى قيام المتعاملين بإلغاء مراكز التحوط الخاصة بهم.
وفي هذا السيناريو، يقدّر البنك أن الذهب قد يصل إلى نحو 4440 دولارًا للأونصة بنهاية 2026، أي أقل بكثير من السيناريو الأساسي البالغ 4900 دولار.
وهذا يوضح أن توقع جولدمان ليس مسارًا مستقيمًا نحو 4900 دولار، بل إن البنك نفسه يتوقع تقلبات أكبر في الاتجاهين.
الذهب أمام معادلة جديدة
الطلب على الذهب لم يعد مرتبطًا فقط بتحركات الفائدة والدولار.
فمنذ 2022، أصبحت مشتريات البنوك المركزية عاملًا هيكليًا مهمًا في السوق، مع توجه عدد من البنوك إلى تنويع الاحتياطيات والتحوط من المخاطر الجيوسياسية والمالية.
وتشير أبحاث جولدمان إلى أن متوسط مشتريات البنوك المركزية قبل 2022 كان عند نحو 17 طنًا شهريًا، بينما يتوقع البنك متوسطًا يبلغ 50 طنًا شهريًا في 2026.
كما أن ضعف حصة الذهب في محافظ المستثمرين من القطاع الخاص يترك مجالًا أمام زيادة الطلب إذا دفعت التوترات الجيوسياسية والمالية المستثمرين إلى إعادة توزيع أصولهم.
ماذا يعني ذلك لسوق الذهب؟
المعادلة التي يرصدها «جولدمان ساكس» أصبحت أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال: هل ستنخفض الفائدة أم ترتفع؟
فالسوق يراقب في الوقت نفسه مشتريات البنوك المركزية، والطلب الصيني، وتدفقات صناديق الذهب، وأسعار الفائدة الأمريكية، ومراكز المشتقات، والمخاطر الجيوسياسية.
وإذا استمر الطلب الرسمي القوي بالتزامن مع عودة المستثمرين إلى صناديق الذهب، فقد يزداد الضغط الصعودي على الأسعار.
أما إذا ارتفعت توقعات الفائدة الأمريكية مجددًا وانسحب المستثمرون من مراكز التحوط، فقد يتعرض الذهب لتصحيح أكثر حدة.
والرقم الأهم في سوق الذهب لم يعد 4900 دولار وحده، بل حجم الطلب الذي يقف خلفه.
فتقدير جولدمان بأن الصين قد تكون اشترت 35 طنًا في يوليو، مقابل أرقام رسمية أقل، يضيف بُعدًا جديدًا إلى معادلة السوق، خصوصًا إذا استمرت مشتريات البنوك المركزية بوتيرة مرتفعة.
وبينما يتمسك البنك بتوقع 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026، فإن ارتفاع الطلب على خيارات الشراء قد يرفع الأسعار إلى مستويات أعلى من السيناريو الأساسي، في حين أن عودة توقعات رفع الفائدة قد تدفع الذهب نحو سيناريو 4440 دولارًا.
لذلك، فإن معركة الذهب في الأشهر المقبلة لن تكون بين العرض والطلب فقط، بل بين مشتريات البنوك المركزية من جهة، ومسار الفائدة الأمريكية وتدفقات المستثمرين والمشتقات من جهة أخرى.









