النفط تحت النار.. برنت يتجاوز 97 دولارًا ومخاوف من أزمة إمدادات
وسط تصعيد الشرق الأوسط

شهدت أسعار النفط العالمية موجة صعود قوية خلال تعاملات الخميس 3 سبتمبر 2026، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتجدد المخاوف بشأن إمدادات الخام وحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 97.29 دولارًا للبرميل خلال تعاملات اليوم، بزيادة 1.66 دولار، أو 1.7%، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 93.04 دولارًا، بزيادة 2.03 دولار، أو 2.2%.
وتواصل الأسعار مكاسبها للجلسة الرابعة على التوالي، بعدما سجل الخامان أعلى مستوياتهما في نحو ستة أسابيع، في ظل تصاعد المخاوف من تعرض تدفقات النفط العالمية لمزيد من الاضطرابات.
الشرق الأوسط يشعل سوق النفط
جاءت القفزة الجديدة في أسعار النفط بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أعاد المخاطر الجيوسياسية إلى صدارة العوامل المؤثرة في سوق الطاقة.
وتزداد أهمية التطورات الحالية بسبب ارتباطها بمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبره مصدر قلق كبير للمستهلكين والمنتجين.
وأظهرت بيانات حديثة تراجع حركة السفن عبر المضيق بصورة ملحوظة، إذ مرت ست سفن فقط يوم الأربعاء، مقابل متوسط يبلغ نحو 13 سفينة، ما يعكس ارتفاع مستوى المخاطر التشغيلية في المنطقة.
كما أشارت تقارير السوق إلى تشديد إيران إجراءاتها تجاه بعض السفن غير الملتزمة، في الوقت الذي ارتفعت فيه صادرات العراق النفطية إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميًا خلال أغسطس.
وتعني هذه التطورات أن السوق لا يتعامل فقط مع مخاوف سياسية، وإنما مع احتمالات فعلية لتأثر حركة الإمدادات، وهو ما يرفع علاوة المخاطر المضافة إلى أسعار الخام.
برنت يقترب من حاجز 100 دولار
مع استمرار الصعود، أصبح مستوى 100 دولار للبرميل مرة أخرى محور اهتمام المستثمرين والمتعاملين في سوق الطاقة، بعدما اقترب برنت منه بصورة واضحة خلال تعاملات اليوم.
ويرى آرت هوجان، كبير استراتيجيي السوق لدى B. Riley Wealth، أن خام برنت قد يصل إلى 100 دولار خلال الأسبوع المقبل إذا لم يتم التوصل إلى حل لإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية.
ويعكس هذا التوقع حساسية السوق الشديدة تجاه حركة الملاحة في المضيق، إذ إن استمرار القيود أو المخاطر الأمنية قد يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن تقليص الإمدادات المتاحة في الأسواق العالمية.
وفي المقابل، فإن أي انفراجة سياسية أو عودة مستقرة لحركة الشحن قد تؤدي إلى تراجع علاوة المخاطر، وبالتالي الحد من الارتفاعات الحادة التي شهدتها الأسعار مؤخرًا.
المخزونات العالمية عامل دعم إضافي
لا ترتبط موجة الصعود الحالية بالتوترات الجيوسياسية فقط، إذ تلعب مستويات المخزونات النفطية العالمية دورًا مهمًا في تحديد اتجاه الأسعار.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن اضطرابات تدفقات النفط عبر مضيق هرمز أدت إلى سحوبات كبيرة من المخزونات العالمية، ما ساهم في إبقاء أسعار الخام عند مستويات مرتفعة إلى حين عودة التدفقات إلى طبيعتها وإعادة بناء المخزونات.
وتقدر الإدارة أن المخزونات العالمية تراجعت بمتوسط 4.2 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثاني من 2026، مع توقع استمرار السحب خلال الربع الثالث بمتوسط 3.8 مليون برميل يوميًا.
وتوفر هذه التطورات دعمًا إضافيًا للأسعار، لأن انخفاض المخزونات يعني تراجع قدرة السوق على امتصاص أي صدمة جديدة في الإمدادات، خصوصًا إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية لفترة أطول.
وكالة الطاقة الدولية تحذر من نقص الإمدادات
كانت وكالة الطاقة الدولية قد خفضت توقعاتها لإنتاج وإمدادات النفط خلال 2026، في ظل استمرار اضطرابات الإنتاج والشحن المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط.
وأشارت الوكالة في تقرير سوق النفط لشهر أغسطس إلى توقع تسجيل سوق النفط العالمي عجزًا يبلغ نحو 1.8 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثالث، مع استمرار تأثير اضطرابات المنطقة على الإنتاج والتجارة.
وفي الوقت نفسه، تتوقع الوكالة انخفاض الطلب العالمي على النفط بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا خلال 2026، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتراجع الاستهلاك في بعض الأسواق.
ويكشف ذلك عن معادلة معقدة في السوق؛ فارتفاع الأسعار يضغط على الطلب، لكنه في الوقت نفسه قد لا يكون كافيًا لتعويض تأثير انخفاض الإمدادات إذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة.
الطلب العالمي يحد من مكاسب النفط
رغم قوة العوامل الداعمة للأسعار، لا تزال هناك عوامل قد تحد من استمرار الصعود، وعلى رأسها ضعف الطلب العالمي والتوقعات الاقتصادية.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة إلى أن استهلاك النفط العالمي قد ينخفض خلال 2026، قبل أن يعود إلى النمو في 2027 مع تحسن تدفقات الإمدادات.
وتتوقع الإدارة نمو الطلب العالمي على النفط بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا في 2027 ليصل إلى 105.3 مليون برميل يوميًا، بالتزامن مع عودة تدفقات الإمدادات بصورة أكبر.
ويعني ذلك أن السوق قد يواجه في المدى المتوسط عاملين متعارضين؛ الأول يتمثل في المخاطر الجيوسياسية التي تدفع الأسعار إلى الصعود، والثاني يتمثل في ضعف الطلب الذي يضغط عليها للانخفاض.
ماذا ينتظر أسعار النفط؟
تبدو توقعات أسعار النفط خلال الفترة المقبلة مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار الأحداث في الشرق الأوسط، وبالأخص مستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وفي السيناريو الأول، قد يؤدي استمرار التصعيد وتعطل تدفقات الخام إلى دفع برنت نحو 100 دولار للبرميل أو أعلى، خاصة مع استمرار انخفاض المخزونات وارتفاع علاوة المخاطر.
أما في حال التوصل إلى تهدئة وعودة حركة الشحن إلى مستوياتها الطبيعية، فقد تتراجع الأسعار سريعًا مع انحسار المخاوف بشأن الإمدادات، خصوصًا إذا ظلت توقعات الطلب العالمي ضعيفة.
ويظل حجم الإنتاج العالمي وقدرة الدول المنتجة على تعويض أي نقص عاملًا حاسمًا أيضًا، إلى جانب قرارات منظمة أوبك+ ومستويات المخزون في الولايات المتحدة والدول الصناعية.
النفط والاقتصاد العالمي
لا تتوقف تداعيات ارتفاع النفط عند أسواق الطاقة، إذ يمكن أن تنتقل سريعًا إلى التضخم والنقل والصناعة وأسعار السلع والخدمات.
ويزيد ارتفاع الخام تكلفة الوقود والطاقة، ما يرفع تكاليف الإنتاج والشحن، وقد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة حساباتها بشأن مسار أسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية.
كما يمكن أن تستفيد الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الإيرادات، بينما تواجه الدول المستوردة ضغوطًا أكبر على فاتورة الطاقة والميزان التجاري.
وبالنسبة لمصر، تظل أسعار النفط العالمية من المتغيرات المهمة التي تؤثر في تكلفة استيراد المنتجات البترولية، إلى جانب تأثيرها على الموازنة العامة وتكاليف النقل والإنتاج.
وفي المجمل، دخل سوق النفط العالمي مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تجاوز برنت مستوى 97 دولارًا واقترب من حاجز 100 دولار، مع استمرار المخاطر المرتبطة بالشرق الأوسط ومضيق هرمز.
وتشير توقعات الخبراء إلى إمكانية تسجيل مستويات أعلى إذا استمر التصعيد، بينما قد تشهد الأسعار تصحيحًا حادًا في حال عودة تدفقات النفط والملاحة إلى طبيعتها.
لذلك، ستظل التطورات العسكرية والدبلوماسية خلال الأيام المقبلة العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه الخام، إلى جانب بيانات المخزونات والإنتاج والطلب العالمي، مع مراقبة المستثمرين لمستوى 100 دولار للبرميل باعتباره حاجزًا نفسيًا وفنيًا مهمًا.









