«مرصد الذهب»: مفاجآت بالجملة في دراسة الذهب.. 9.9% و28% و373 مليار دولار تحكي القصة

أوضح «مرصد الذهب» أن نسبة 9.9% الواردة في أحدث دراسة لـمجلس الذهب العالمي لا تمثل إجمالي ارتفاع الذهب خلال 20 عامًا، وإنما تعبر عن معدل النمو السنوي المركب لعائد الذهب بالدولار الأمريكي خلال الفترة من يونيو 2006 إلى يونيو 2026.

وأشار المرصد إلى أن قراءة النسبة بشكل منفرد قد تؤدي إلى فهم غير دقيق لأداء المعدن النفيس، إذ إن أهمية الذهب لا تتعلق بالعائد فقط، وإنما كذلك بكيفية تراكمه عبر السنوات ودوره في تنويع المحافظ الاستثمارية وتقليل المخاطر.

9.9% معدل سنوي مركب وليس عائدًا ثابتًا

قد يعتقد البعض أن الذهب ارتفع بنسبة 9.9% فقط خلال العقدين الماضيين، إلا أن الدراسة تقصد شيئًا مختلفًا؛ فالرقم يمثل معدل النمو السنوي المركب لعائد الذهب بالدولار بين يونيو 2006 ويونيو 2026.
ولا يعني ذلك أن الذهب حقق عائدًا ثابتًا قدره 9.9% كل عام، إذ تختلف حركة الأسعار من سنة إلى أخرى، وإنما يعكس المعدل السنوي المركب معدل النمو السنوي المكافئ للارتفاع بين بداية الفترة ونهايتها، مع احتساب أثر التراكم.
ولتوضيح الفكرة، إذا استثمر شخص 100 دولار وحقق عائدًا قدره 9.9% في السنة الأولى، تصبح قيمة الاستثمار نحو 109.9 دولار، وفي العام التالي يُحسب العائد على القيمة الجديدة، وليس على الـ100 دولار الأصلية.
وبالحساب الافتراضي، فإن استمرار معدل نمو سنوي مركب قدره 9.9% لمدة 20 عامًا يحول استثمارًا بقيمة 100 دولار إلى نحو 648 دولارًا.
ويهدف المثال إلى توضيح أثر التراكم الحسابي، وليس التنبؤ بعائد الذهب مستقبلًا، إذ لا تحقق أسعار الذهب معدلًا ثابتًا سنويًا، كما يتأثر العائد الفعلي للمستثمر بسعر الشراء والبيع والتكاليف.

الذهب لا يحقق عائدًا فقط.. بل يقلل مخاطر المحفظة

ترى دراسة مجلس الذهب العالمي أن قوة الذهب لا تتوقف عند تحقيق عائد طويل الأجل، وإنما تمتد إلى قدرته على الجمع بين العائد وتقليل مخاطر المحفظة.
وبحسب الدراسة، فإن إضافة 5% من الذهب إلى محفظة افتراضية مكونة من الأسهم وأدوات الدخل الثابت رفعت العائد السنوي للمحفظة خلال فترة العشرين عامًا من 7.8% إلى 7.9%.
وفي الوقت نفسه، انخفضت التقلبات السنوية للمحفظة من 11.8% إلى 11.3%، كما تراجع أقصى انخفاض للمحفظة من 41% إلى 38.6% بعد إضافة الذهب.
وتكشف هذه النتائج أن دور الذهب لا يرتبط بالبحث عن أعلى عائد فقط، وإنما بتحسين العلاقة بين العائد والمخاطر داخل المحفظة.

5% ذهب ساهمت في 28% من فوائد التنويع

كشفت الدراسة عن رقم لافت، إذ ساهم تخصيص 5% فقط للذهب في نحو 28% من إجمالي فوائد التنويع في المحفظة الافتراضية التي درسها مجلس الذهب العالمي.
في المقابل، ساهم تخصيص النسبة نفسها للسلع الأساسية بنحو 15% من فوائد التنويع.
ولا تعني نسبة 28% أن الذهب حقق عائدًا بهذه القيمة، وإنما تشير إلى مساهمته في تقليل مخاطر المحفظة وتنويعها، بفضل اختلاف حركة الذهب عن الأصول الأخرى.
ويعني التنويع عدم الاعتماد على أصول تتحرك جميعها بالطريقة نفسها في الوقت نفسه، إذ يمكن لاختلاف سلوك الذهب عن الأسهم وأدوات الدخل الثابت أن يحد من تأثير تراجع أحد مكونات المحفظة على قيمتها الإجمالية.

لماذا يختلف الذهب عن النفط والنحاس؟

تشير الدراسة إلى أن الذهب لا يعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها غالبية السلع الأساسية، مثل النفط والسلع الزراعية.
فالجزء الأكبر من الذهب الذي جرى إنتاجه تاريخيًا لا يزال موجودًا فوق سطح الأرض، ويمكن إعادة بيعه أو صهره وإعادة استخدامه.
وبالتالي، لا يرتبط حجم سوق الذهب بإنتاج المناجم في عام معين فقط، وإنما يستند كذلك إلى مخزون ضخم متراكم يمكن أن يعود إلى السوق، إلى جانب الطلب الاستثماري والاستهلاكي.
وتمنح هذه الخاصية الذهب طبيعة مختلفة عن العديد من السلع التي يعتمد عرضها بدرجة أكبر على الإنتاج الجاري والاستهلاك، كما تدعم دوره كأصل مالي إلى جانب كونه سلعة.

وزن الذهب في مؤشرات السلع لا يعكس أهميته بالكامل

لفتت الدراسة إلى أن وزن الذهب في مؤشرات السلع الرئيسية لا يعكس بالضرورة مكانته الحقيقية كأصل استثماري.
ويبلغ وزن الذهب نحو 7.2% في مؤشر S&P GSCI، ونحو 14.9% في مؤشر Bloomberg Commodity Index، بينما تستحوذ الطاقة والزراعة والمعادن الصناعية على النسبة الأكبر من هذه المؤشرات.
ويوضح مجلس الذهب العالمي أن مؤشرات السلع تعتمد بدرجة كبيرة على عوامل مثل الإنتاج والسيولة في أسواق العقود الآجلة، بينما يمتلك الذهب سوقًا أوسع يشمل التداول خارج البورصات، وصناديق الاستثمار المدعومة بالذهب، والمخزون الضخم الموجود فوق سطح الأرض.
وبالتالي، فإن وزن الذهب داخل مؤشرات السلع لا يعكس بالضرورة كامل أهميته كأصل مالي، خاصة أن جزءًا كبيرًا من سوقه يتجاوز آليات قياس السلع التقليدية.

373 مليار دولار متوسط التداول اليومي للذهب

أظهرت الدراسة ضخامة سوق الذهب المالية، إذ بلغ متوسط حجم التداول اليومي عالميًا نحو 373 مليار دولار خلال 2025.
وشمل ذلك نحو 186 مليار دولار يوميًا في أسواق العقود الآجلة، ونحو 180 مليار دولار في سوق التداول خارج البورصات، إضافة إلى نحو 7.2 مليار دولار يوميًا في صناديق الذهب المتداولة المدعومة فعليًا.
وتمنح هذه السيولة الذهب ميزة مهمة للمستثمرين والمؤسسات الكبرى، إذ يمكن تنفيذ عمليات شراء وبيع كبيرة عبر قنوات متعددة، دون الاعتماد فقط على حجم الإنتاج السنوي للمناجم.
كما أن تعدد قنوات التداول، إلى جانب وجود مخزون ضخم من الذهب فوق سطح الأرض، يجعل السوق أكثر قدرة على استيعاب تدفقات استثمارية كبيرة.

وليد فاروق: قوة الذهب لا تُقاس بسعره فقط

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن دراسة مجلس الذهب العالمي تضع أداء الذهب خلال العشرين عامًا الماضية في إطار أوسع من مجرد قياس حركة السعر.
وأوضح أن الرقم البالغ 9.9% يجب قراءته باعتباره معدل نمو سنويًا مركبًا يعكس أثر تراكم العائد بمرور الوقت، وليس نسبة الارتفاع الإجمالية للذهب خلال الفترة.
وأضاف أن أهمية الدراسة تمتد إلى ما يكشفه النموذج الاستثماري من قدرة الذهب على تحسين العلاقة بين العائد والمخاطر، مشيرًا إلى أن تخصيص 5% فقط للمعدن ساهم في نحو 28% من فوائد التنويع في النموذج محل الدراسة.
وأشار إلى أن هذه النتيجة تعكس أهمية اختلاف سلوك الذهب عن بقية الأصول داخل المحفظة، موضحًا أن تأثير الأصل الاستثماري لا يرتبط فقط بحجم الأموال المخصصة له، وإنما أيضًا بدرجة ارتباط تحركاته بالأصول الأخرى.
وأكد أن بيانات التداول اليومية، التي تقترب من 373 مليار دولار، تضيف بُعدًا آخر إلى الصورة، لأنها تعكس امتلاك الذهب سوقًا مالية عميقة ومتعددة القنوات، ولا يعتمد في قيمته فقط على إنتاج المناجم أو الطلب على المشغولات.
وأوضح أن قراءة هذه المؤشرات مجتمعة تكشف أن الذهب يؤدي أكثر من وظيفة في الأسواق؛ فهو أصل حقق نموًا طويل الأجل، وأداة للتنويع، وأصل يتمتع بسيولة مرتفعة.
وأضاف أن محدودية وزن الذهب داخل المحفظة لا تعني بالضرورة محدودية تأثيره عليها، وهو ما يظهر في مساهمته في فوائد التنويع، بالتزامن مع انخفاض التقلبات وأقصى تراجع للمحفظة.
وأكد أن هذه الخصائص تفسر استمرار أهمية الذهب كأصل استثماري طويل الأجل، ليس فقط بسبب إمكانية ارتفاع سعره، وإنما أيضًا بسبب طبيعة دوره داخل المحفظة والسيولة التي يتمتع بها واتساع قاعدة المتعاملين عليه عالميًا.
الخلاصة: رقم 9.9% لا يعني أن الذهب ارتفع 9.9% فقط خلال 20 عامًا، وإنما يمثل معدل نمو سنوي مركب؛ وتكمن أهمية المعدن، وفق الدراسة، في الجمع بين النمو طويل الأجل ودوره في تنويع المحافظ وتقليل المخاطر والسيولة المرتفعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى