3.1 مليار دولار لإعادة رسم خريطة التجارة الأفريقية.. والجمارك ليست العقبة الوحيدة

تراهن منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية على استثمار يقدر بنحو 3.1 مليار دولار لتحديث منظومة الجمارك في القارة، عبر مشروع تقوده شركة بيرغمانز النيجيرية ضمن شراكة تمتد 20 عامًا، بهدف رقمنة الإجراءات الجمركية وربط الأنظمة وتسهيل حركة البضائع عبر الحدود.

وتستهدف المبادرة بناء بنية جمركية رقمية ومادية أكثر تكاملًا، بما يساعد على تقليل زمن التخليص، وتوحيد الإجراءات، وتحسين تتبع الشحنات، والحد من تسرب الإيرادات والممارسات غير الشفافة في التجارة العابرة للحدود.

الجمارك الرقمية في قلب مشروع التكامل الأفريقي

يقوم مشروع تحديث الجمارك القارية على ربط الأنظمة الجمركية الوطنية ببنية إلكترونية أكثر تكاملًا، بما يسمح بتبادل البيانات وتسهيل إجراءات التخليص عبر الدول المشاركة في منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

وتشمل المنظومة المقترحة تقنيات للفحص غير التطفلي، ومراكز بيانات متكاملة، وبوابات جمركية متعددة اللغات، إلى جانب آليات لرفع كفاءة الرقابة وحماية الإيرادات الحكومية.

وتكمن أهمية المشروع في معالجة واحدة من أكثر مشكلات التجارة الأفريقية تعقيدًا، وهي تعدد الأنظمة والإجراءات بين الدول، بما يفرض على الشركات تكرار المستندات والخطوات عند انتقال البضائع بين الحدود.

3.1 مليار دولار.. لكن من يدفع فاتورة التجارة؟

رغم ضخامة المشروع، فإن تحديث الجمارك وحده لن يكون كافيًا لتحويل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إلى سوق متكاملة.

فالاختناقات تبدأ أحيانًا بعد انتهاء الإجراءات الجمركية، إذ تواجه حركة البضائع تحديات مرتبطة بالطرق والموانئ والنقل البري والبحري والجوي، فضلًا عن اختلاف القواعد التنظيمية بين الأسواق.

وتشير هذه المعادلة إلى أن سرعة الإفراج عن الشحنة لا تعني بالضرورة سرعة وصولها إلى وجهتها النهائية.

أزمة اللوجستيات تهدد مكاسب الإصلاح

تظل تكلفة نقل البضائع داخل أفريقيا من أبرز العوائق أمام نمو التجارة البينية، خاصة عندما تضطر الشحنات إلى المرور عبر مراكز تجارية خارج مسارها الطبيعي بسبب ضعف شبكات النقل والربط بين الدول.

ويؤدي ذلك إلى زيادة زمن الرحلات وتكاليف التأمين والتخزين والنقل، ما يقلل من الميزة الاقتصادية التي يفترض أن توفرها إزالة الحواجز الجمركية.

ولهذا، فإن نجاح مشروع الجمارك الرقمية سيكون مرتبطًا بقدرة الحكومات الأفريقية على تنفيذ استثمارات موازية في الطرق والموانئ والممرات التجارية والبنية التحتية الحدودية.

المدفوعات.. الحلقة الأخرى في سلسلة التجارة

لا تتوقف العقبات عند الجمارك واللوجستيات، إذ تمثل المدفوعات العابرة للحدود تحديًا إضافيًا أمام الشركات الأفريقية.

وتضطر بعض الشركات إلى الاعتماد على العملات الأجنبية أو الوسطاء عند تسوية معاملاتها مع شركاء في دول أخرى، وهو ما يزيد تكلفة التجارة ويطيل دورة التسوية.

ويمثل نظام المدفوعات والتسويات الأفريقي الشامل أحد الأدوات التي تستهدف معالجة هذه المشكلة من خلال تسهيل المدفوعات بالعملات المحلية، بما يدعم حركة التجارة داخل القارة.

لكن توسيع نطاق استخدام أنظمة الدفع القارية يظل عاملًا حاسمًا حتى تتحول هذه الأدوات إلى بنية فعلية تخدم الشركات على نطاق واسع.

التجارة البينية الأفريقية أمام اختبار التنفيذ

دخلت اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية حيز التنفيذ في يناير 2021، بهدف إنشاء سوق أفريقية أكثر تكاملًا وتقليل الحواجز أمام حركة السلع والخدمات.

وتشير بيانات التجارة إلى أن التجارة البينية الأفريقية بلغت نحو 220.3 مليار دولار في 2024، قبل أن تتراجع إلى نحو 213.8 مليار دولار في 2025، فيما يتوقع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي وصولها إلى نحو 230 مليار دولار في 2026.

وتكشف هذه الأرقام أن هناك نموًا في التجارة القارية، لكن المسافة لا تزال كبيرة بين الإمكانات الهائلة للسوق الأفريقية وبين حجم التجارة الفعلي.

«المصرف أولاً»: الجمارك الرقمية تفتح سوقًا مصرفية جديدة

من منظور القطاع المصرفي، فإن مشروع تحديث الجمارك الأفريقية لا يتعلق فقط بتسريع الإفراج عن البضائع، بل يمكن أن يخلق بنية جديدة للتمويل التجاري وإدارة المدفوعات وسلاسل الإمداد.

فكلما أصبحت بيانات الشحن والفواتير والتخليص الجمركي أكثر رقمية وترابطًا، زادت قدرة البنوك على تقييم مخاطر التجارة وتمويل الشركات ومتابعة دورة المستندات بصورة أكثر كفاءة.

وهنا تتحول الجمارك من مجرد جهة رقابية على حركة البضائع إلى جزء من البنية الرقمية التي يمكن أن تدعم التمويل التجاري والتأمين والخدمات المصرفية العابرة للحدود.

لكن الفرصة لن تتحقق بصورة كاملة ما لم تتزامن رقمنة الجمارك مع تطوير أنظمة الدفع، وتحسين اللوجستيات، وتوحيد القواعد، ورفع كفاءة البنية التحتية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى