3 ضربات تحاصر أسهم آسيا.. النفط فوق 107 دولارات والفائدة والذكاء الاصطناعي يربكون السوق

استعادت الأسهم الآسيوية بعض التوازن، اليوم الثلاثاء، بعد موجة بيع قوية طالت أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الجلسة السابقة، لكن التعافي ظل هشًا مع بقاء النفط فوق 107 دولارات وارتفاع عوائد السندات إلى مستويات تضغط على تقييمات الأسهم.
وتترقب الأسواق في الوقت نفسه قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وسط تسعير يتجاوز 90% لاحتمال رفع الفائدة 25 نقطة أساس، في أول زيادة منذ منتصف 2023، بحسب بيانات السوق التي نقلتها رويترز.
وهكذا دخل المستثمرون جلسة الثلاثاء أمام معادلة صعبة: انتعاش محدود في أسهم الذكاء الاصطناعي من جهة، مقابل ارتفاع تكلفة الأموال ومخاطر التضخم والطاقة من جهة أخرى.
انتعاش التكنولوجيا يخفف صدمة الاثنين
ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بشكل طفيف، بينما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 إلى 7691.50 نقطة.
وفي آسيا، ارتفع نيكاي 225 الياباني بنحو 0.8%، بينما تحرك مؤشر كوسبي الكوري قرب الاستقرار، وتراجع هانغ سنغ في هونغ كونغ، في حين ظل مؤشر MSCI لأسهم آسيا والمحيط الهادئ شبه مستقر.
وجاء هذا الأداء بعد جلسة صعبة في وول ستريت، إذ تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 0.5%، وناسداك المركب 0.6%، مع تعرض أسهم التكنولوجيا لضغوط مزدوجة من مخاوف الذكاء الاصطناعي وارتفاع عوائد السندات.
لكن بعض أسهم أشباه الموصلات بدأت تستعيد جزءًا من خسائرها، مع ارتفاع أسهم SK Hynix وSamsung Electronics وKioxia، في إشارة إلى أن المستثمرين يحاولون التمييز بين المخاوف المتعلقة بسرعة تطوير الذكاء الاصطناعي وبين الطلب الفعلي على رقائق ومعدات البنية التحتية للقطاع.
لماذا ارتبكت أسهم الذكاء الاصطناعي؟
بدأت موجة البيع الأخيرة بعد تصريحات قادة كبار في صناعة الذكاء الاصطناعي بشأن ضرورة إبطاء وتيرة تطوير النماذج المتقدمة وتعزيز إجراءات الأمان والرقابة.
ودعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، إلى إبطاء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا وإجراء تقييمات مستقلة من جهات خارجية، بسبب المخاوف المتعلقة بقدرة التكنولوجيا على الخروج عن السيطرة البشرية.
وأبدى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـOpenAI، تأييدًا لنهج أكثر حذرًا، كما أشار إيلون ماسك إلى دعمه للفكرة. وفي المقابل، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من مخاوف المخاطر الوجودية للذكاء الاصطناعي، في ظل المنافسة الأمريكية الشديدة مع الصين.
وهنا ظهرت المخاوف في الأسواق بصورة مختلفة: إذا تباطأ سباق تطوير الذكاء الاصطناعي، فهل تتراجع وتيرة الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق والطاقة والبنية التحتية السحابية؟
السؤال لا يتعلق بشركات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل يمتد إلى سلسلة كاملة من الشركات الآسيوية والأمريكية المستفيدة من طفرة الإنفاق التكنولوجي.
النفط فوق 107 دولارات يفتح جبهة التضخم
في المقابل، لا تمنح سوق الطاقة المستثمرين مساحة كبيرة للراحة.
ارتفع خام برنت إلى نحو 106.96 دولار للبرميل، بينما صعد الخام الأمريكي إلى حوالي 102.68 دولار، بعدما أدت هجمات جديدة للحوثيين على السعودية ومخاطر تعطل الإمدادات إلى زيادة علاوة المخاطر في سوق النفط.
وتكتسب هذه المستويات أهمية خاصة لأن ارتفاع النفط يعني ضغوطًا إضافية على التضخم، خصوصًا في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
كما أن استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط يهدد بإبقاء أسعار الطاقة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى التشدد بدلًا من تخفيف السياسة النقدية.
وهنا يتقاطع النفط مع الأسهم مباشرة: كل ارتفاع جديد في الخام يزيد احتمالات التضخم، وكل زيادة في توقعات الفائدة ترفع تكلفة التمويل وتضغط على تقييمات الشركات.
عائد السندات يضيق الخناق على الأسهم
الجبهة الثانية تأتي من سوق السندات.
فقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات مستوى 5% لفترة وجيزة، وهو أعلى مستوى منذ 2023، قبل أن يتراجع قليلًا. كما امتدت موجة ارتفاع العوائد إلى أسواق أخرى، ما زاد الضغوط على الأسهم.
ارتفاع العوائد يعني أن المستثمر يستطيع الحصول على عائد أكبر من الأصول الأقل مخاطرة، وبالتالي يصبح أكثر تشددًا في تقييم الأسهم.
كما أن ارتفاع معدل الخصم يخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، وهو ما يضغط بصورة خاصة على شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات النمو والأرباح المستقبلية.
وتزداد المشكلة مع اتساع العجوزات المالية وزيادة إصدارات الديون الحكومية وارتفاع احتياجات التمويل المرتبطة بالاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
الصين تصمد رغم ضعف الطلب المحلي
لم تكن الصورة سلبية في جميع الأسواق.
ارتفع مؤشر CSI 300 بنحو 0.1%، كما زاد مؤشر شنغهاي المركب بنسبة مماثلة، بينما ظلت أسهم التكنولوجيا الصينية في هونغ كونغ متباينة.
وارتفعت أسهم علي بابا وتنسنت وبايدو وJD.com، في الوقت الذي استمرت فيه البيانات الاقتصادية الصينية في إظهار تعافٍ غير متوازن؛ فالنشاط الصناعي بدا أكثر صمودًا، بينما ظل الاستهلاك والاستثمار تحت ضغط.
وتشير هذه الصورة إلى أن السوق الصينية لا تتحرك بالضرورة في الاتجاه نفسه الذي تتحرك فيه أسهم التكنولوجيا الأمريكية، رغم ارتباطها المتزايد بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
الفيدرالي يحسم المعادلة غدًا
لكن كل هذه التطورات تبقى مؤقتة مقارنة بما ينتظر الأسواق من الفيدرالي الأمريكي.
وتشير تسعيرات العقود الآجلة إلى احتمال يتجاوز 90% لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع الأربعاء. وتأتي هذه التوقعات بعد ارتفاع التضخم الأمريكي، إلى جانب صعود أسعار النفط والعوائد طويلة الأجل.
كما أن ثلاثة مسؤولين في الفيدرالي كانوا قد عارضوا رفع الفائدة في اجتماع يوليو، ما يكشف أن مسار السياسة النقدية ليس محسومًا داخليًا.
وفي المقابل، يرى محللو الأسواق أن ارتفاع النفط واستمرار التضخم قد يجعلان مهمة البنك المركزي أكثر صعوبة، حتى مع وجود مخاوف من تأثير الفائدة المرتفعة على النمو.
اليابان تدخل المشهد
ولا ينتهي أسبوع البنوك المركزية عند واشنطن.
فالمستثمرون يستعدون أيضًا لقرار بنك اليابان، وسط توقعات برفع الفائدة إلى 1.25%، وهو ما قد يضيف طبقة جديدة من التقلب إلى الأسواق الآسيوية وأسواق العملات.
وفي وقت لاحق، ستتجه الأنظار كذلك إلى بنك إنجلترا، ما يجعل هذا الأسبوع واحدًا من أكثر الأسابيع حساسية للسياسة النقدية العالمية.
ماذا بعد؟
الأسهم الآسيوية لا تواجه أزمة واحدة، بل ثلاثة اختبارات في وقت واحد.
الأول هو النفط: هل يبقى فوق 100 دولار ويغذي موجة تضخم جديدة؟
والثاني هو الفائدة: هل يرفع الفيدرالي الفائدة ثم يرسل إشارة إلى استمرار التشدد؟
أما الثالث فهو الذكاء الاصطناعي: هل كانت موجة البيع الأخيرة مجرد تصحيح مؤقت، أم بداية إعادة تقييم حقيقية لقيمة الاستثمارات الضخمة في القطاع؟
ولهذا فإن ارتداد أسهم التكنولوجيا اليوم لا يعني انتهاء الضغوط.
السوق تحتاج إلى رؤية أكثر وضوحًا بشأن أسعار الطاقة، ومسار الفائدة، واستدامة إنفاق الذكاء الاصطناعي قبل أن تستطيع الأسهم استعادة الثقة بالكامل.









