400 مليار دولار ديون للذكاء الاصطناعي.. هل تتحول طفرة مراكز البيانات إلى فقاعة مالية؟

تتزايد المخاوف بشأن حجم الديون التي يجري توظيفها لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي، بعدما تجاوزت الديون المرتبطة بتطوير القطاع 400 مليار دولار خلال العام الحالي، فيما بات الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي يمثل نحو 40% من إجمالي إصدارات سندات الشركات الجديدة، وفق تقديرات أوردتها مصادر مالية.
وتتركز المخاوف بصورة خاصة حول الفجوة بين آجال الديون طويلة الأجل وعمر الأصول التي تمولها، إذ يجري إصدار سندات تصل آجال استحقاق بعضها إلى 30 عامًا، بينما يبلغ العمر التشغيلي لبعض معدات مراكز البيانات والحوسبة نحو 3 سنوات.
ويحذر مارك ثورنتون، الزميل البارز في معهد لودفيج فون ميزس، من أن هذا التباين بين عمر التمويل وعمر الأصول قد يخلق مخاطر مالية إذا لم تستمر الإيرادات والتدفقات النقدية المتوقعة بالوتيرة التي تبرر حجم الاقتراض.
40% من إصدارات السندات الجديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي
لم تعد طفرة تمويل الذكاء الاصطناعي ظاهرة محدودة داخل أسواق الدين، إذ تشير تقديرات أبولو غلوبال مانجمنت إلى أن الاقتراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي يقترب من 40% من إجمالي إصدارات سندات الشركات الجديدة.
كما تجاوزت الديون المرتبطة بتطوير القطاع 400 مليار دولار خلال العام الحالي، وفق البيانات المشار إليها في التقرير.
وتعكس هذه الأرقام التحول الكبير في احتياجات شركات التكنولوجيا ومراكز الحوسبة، مع توسع الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق وشبكات الطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي سوق سندات الشركات ذات الدرجة الاستثمارية، تمثل شركات التكنولوجيا ومزودو خدمات الحوسبة السحابية الكبرى أكثر من 20% من مؤشر السندات التي تستحق بعد 10 سنوات أو أكثر، وفق بيانات غوغنهايم للاستثمارات.
ثورنتون يحذر من فجوة 30 عامًا مقابل 3 سنوات
يركز ثورنتون على ما يعتبره نقطة ضعف أساسية في نموذج تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي: تمويل أصول قصيرة العمر بديون طويلة الأجل.
ويطرح سيناريو يتمثل في إصدار سندات لأجل 30 عامًا أو حتى 100 عام لتمويل أصول قد تحتاج إلى الاستبدال خلال نحو 3 سنوات.
ويقول ثورنتون إن هذا النوع من التباين في آجال التمويل والأصول سبق أن ارتبط بعواقب مالية حادة في أزمات سابقة، محذرًا من أن استمرار التوسع في الاقتراض يتطلب قدرة حقيقية على توليد تدفقات نقدية تبرر تلك الالتزامات طويلة الأجل.
وتبقى هذه الرؤية تفسيرًا وتحذيرًا من جانب ثورنتون وليست حكمًا بأن قطاع الذكاء الاصطناعي يتجه حتمًا إلى أزمة مالية.
725 مليار دولار إنفاق عمالقة التكنولوجيا
وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى حجم الإنفاق المتوقع من أكبر شركات التكنولوجيا.
فمن المتوقع أن تنفق أمازون ومايكروسوفت وألفابت وميتا نحو 725 مليار دولار هذا العام، بزيادة تبلغ نحو 77%، مع توجيه الجزء الأكبر من هذا الإنفاق إلى البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفق التقديرات المشار إليها في التقرير.
وتشمل هذه الاستثمارات مراكز البيانات وقدرات الحوسبة والرقائق والبنية التحتية اللازمة لتوسيع خدمات الذكاء الاصطناعي.
ويثير هذا الحجم من الإنفاق سؤالًا أساسيًا حول مدى قدرة الإيرادات المستقبلية من خدمات الذكاء الاصطناعي على تغطية الاستثمارات الرأسمالية والالتزامات التمويلية الناتجة عنها.
سوفت بنك تختبر سوق السندات لتمويل أوبن إيه آي
وتقدم تحركات سوفت بنك مثالًا على اتساع استخدام أسواق الدين في تمويل شركات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب التقرير، بدأت سوفت بنك اختبار شهية المستثمرين تجاه سندات دين منخفضة التصنيف تتجاوز قيمتها 11 مليار دولار، بهدف توفير مزيد من التمويل لشركة أوبن إيه آي، مع عوائد تتراوح بين 9% و10%.
وفي حال إتمام الصفقة بالحجم المشار إليه، ستكون من بين أكبر عمليات بيع السندات ذات العائد المرتفع من جانب شركة واحدة.
ويعني ذلك أن تمويل الذكاء الاصطناعي لم يعد يعتمد فقط على رؤوس الأموال الخاصة أو السيولة المتراكمة لدى شركات التكنولوجيا، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أكبر بأسواق الدين والمستثمرين في السندات.
مراكز البيانات.. ناطحات سحاب عصر الذكاء الاصطناعي
ويربط ثورنتون بين طفرة مراكز البيانات وظاهرة ناطحات السحاب التي تناولها في كتابه «لعنة ناطحات السحاب».
وتقوم الفكرة التي يطرحها على أن المشروعات العقارية الضخمة والأبراج القياسية تظهر غالبًا في مراحل متقدمة من دورات الائتمان والاستثمار، عندما تتوافر الأموال بسهولة وتزداد شهية المستثمرين للمشروعات الضخمة.
ويرى أن مراكز البيانات قد تمثل النسخة الحديثة من هذه الظاهرة، وإن كان هناك اختلاف جوهري؛ فناطحات السحاب تحتاج إلى مواقع مركزية بسبب ارتفاع قيمة الأراضي، بينما يمكن إنشاء مراكز البيانات في مناطق نائية تتوافر فيها الطاقة والأراضي وشبكات الاتصال.
وبالتالي، فإن انتشار مراكز البيانات على نطاق واسع قد يجعل تقييم المخاطر أكثر تعقيدًا، خاصة إذا تزامن التوسع في الإنفاق مع ارتفاع تكلفة التمويل والطاقة.
شركات المرافق أمام فاتورة مراكز البيانات
ولا تتوقف تداعيات طفرة الذكاء الاصطناعي عند شركات التكنولوجيا.
فشركات المرافق الكهربائية توقع عقودًا طويلة الأجل وتستثمر في محطات توليد جديدة لتلبية الطلب المتزايد من مراكز البيانات.
ويطرح ذلك سؤالًا حول الطرف الذي سيتحمل تكلفة الاستثمارات في حال تباطأ الطلب أو لم تحقق مراكز البيانات الإيرادات المتوقعة.
ويرى ثورنتون أن جزءًا من هذه التكاليف قد ينتقل في النهاية إلى المستهلكين ودافعي الضرائب وعملاء شركات المرافق، إذا لم تكن الترتيبات التعاقدية والاستثمارات الجديدة مدعومة بطلب مستدام.
وتظل هذه الرؤية تقديرًا من ثورنتون بشأن المخاطر المحتملة، وليست نتيجة مؤكدة.
الكهرباء ترتفع بينما يتراجع إنتاج المصانع
وتظهر آثار طفرة مراكز البيانات أيضًا في بعض المؤشرات الاقتصادية الأمريكية.
فبحسب الأرقام المشار إليها في التقرير، انخفض إنتاج المصانع الأمريكية بنسبة 0.3% في أغسطس، في أول انخفاض خلال العام، بينما ارتفع إنتاج المرافق بنسبة 1.8% مع زيادة استهلاك الكهرباء.
وتدعم هذه البيانات، وفق القراءة المطروحة في التقرير، فكرة أن الطلب على الكهرباء أصبح أحد المستفيدين المباشرين من توسع البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات.
كما أشار رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أوستن غولسبي، إلى أن جهات اتصال تجارية في منطقته تصف ما يشبه حالة فرط النشاط الاقتصادي التقليدية.
الذهب يدخل المعادلة من باب العملة والدين
ويربط ثورنتون بين طفرة الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وبين مخاوف أوسع بشأن قيمة العملات والدين العام.
وبلغ سعر الذهب الفوري 4339.70 دولارًا للأوقية صباح الاثنين، بانخفاض قدره 38.80 دولارًا، أو 0.89% خلال اليوم، بعدما سجل مستوى مرتفعًا عند 4384.30 دولارًا.
كما بلغ سعر الفضة 65.92 دولارًا للأوقية، منخفضًا بنسبة 0.36%.
ويرى ثورنتون أن الذهب يمثل أحد المؤشرات التي تعكس حالة الثقة في النظام النقدي، خاصة مع بحث بعض الدول عن بدائل لتقليل اعتمادها على الدولار.
ويقول إن تراجع الثقة المتبادلة بين البنوك المركزية قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن مسارات بديلة للاحتفاظ بالقيمة وتسوية التجارة الدولية.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي أكبر اختبار لأسواق الدين؟
تكمن المسألة الأساسية في أن طفرة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل أن تظهر العوائد الكاملة لهذه الاستثمارات.
فمراكز البيانات والرقائق والطاقة تحتاج إلى إنفاق رأسمالي هائل، بينما يعتمد جزء متزايد من هذا الإنفاق على التمويل بالدين.
وهنا تظهر معادلة المخاطر: إذا ارتفعت إيرادات الذكاء الاصطناعي بالسرعة المتوقعة، يمكن للشركات خدمة ديونها وتمويل موجة توسع جديدة؛ أما إذا تباطأ نمو الإيرادات، فقد تتحول الديون طويلة الأجل إلى عبء على شركات التكنولوجيا والمرافق والمستثمرين.
ولهذا لا يكفي قياس حجم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل يجب النظر إلى جودة الأصول الممولة، وآجال الديون، وتكلفة رأس المال، والتدفقات النقدية التي ستولدها هذه الاستثمارات.
البنوك المركزية والدولار والذهب
ويرى ثورنتون أن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش اتخذ موقفًا صحيحًا من وجهة نظره فيما يتعلق بمستوى السياسة النقدية مقارنة بظروف السوق.
كما يربط بين ارتفاع الذهب والتحولات في الثقة بالنظام النقدي العالمي.
وتبقى هذه الرؤية محل نقاش اقتصادي، خصوصًا أن الذهب يتأثر في الوقت نفسه بأسعار الفائدة الحقيقية والدولار والتضخم والطلب الاستثماري والمخاطر الجيوسياسية وعمليات الشراء من البنوك المركزية.
وفي النهاية، فإن السؤال الأكبر الذي تطرحه طفرة تمويل الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي تدخل القطاع، وإنما بمدى قدرة الأصول التي يتم تمويلها اليوم على إنتاج عوائد تكفي لخدمة ديون قد تمتد لثلاثة عقود أو أكثر.
وهنا تحديدًا تكمن نقطة الاختبار الحقيقية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي: هل نحن أمام دورة استثمارية طويلة الأجل مدعومة بإيرادات حقيقية، أم أمام موجة ائتمانية ضخمة سبقت قدرة الأصول على إثبات قيمتها؟









