54.5 مليار دولار احتياطيات.. «ستاندرد آند بورز» تثبت تصنيف مصر وتحذر من عبء الدين

دعمت عودة تدفقات رؤوس الأموال وارتفاع موارد النقد الأجنبي قدرة مصر على مواجهة الضغوط الإقليمية، بعدما بلغت أصول الاحتياطيات الدولية 54.5 مليار دولار في سبتمبر 2026، لكن ارتفاع تكلفة خدمة الدين واستمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة والملاحة يظلان من أبرز التحديات أمام الاقتصاد.

وفي هذا السياق، أبقت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية التصنيف السيادي لمصر عند B/B، مع نظرة مستقبلية مستقرة، في قرار يعكس توازنًا بين تحسن المؤشرات الاقتصادية والمالية من جهة، واستمرار المخاطر الخارجية والاحتياجات التمويلية المرتفعة من جهة أخرى.

الاحتياطيات عند مستوى قياسي.. والأجانب يعودون إلى أدوات الدين

سجلت أصول الاحتياطيات الدولية المصرية مستوى قياسيًا بلغ 54.5 مليار دولار في سبتمبر 2026، بالتزامن مع ارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي إلى 31.2 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في ست سنوات.

كما ارتفعت حيازات المستثمرين الأجانب من أدوات الدين الحكومية المقومة بالجنيه إلى 34.5 مليار دولار في سبتمبر، مقابل 22.2 مليار دولار في أبريل، بما يعكس عودة جزء من التدفقات التي خرجت من السوق خلال الأشهر الأولى من الصراع الإقليمي.

وكانت استثمارات المحافظ المالية قد سجلت تدفقات خارجة بلغت نحو 9.5 مليار دولار بعد اندلاع الصراع في 28 فبراير 2026، فيما تعرض الجنيه لضغوط دفعته إلى التراجع أمام الدولار بنسب وصلت إلى 15% خلال تلك الفترة.

وترى الوكالة أن عودة التدفقات الأجنبية أتاحت للبنك المركزي شراء العملات الأجنبية من السوق، بما ساهم في تعزيز الاحتياطيات. لكنها حذرت من أن أي موجة جديدة لخروج رؤوس الأموال قد تظهر أولًا في تراجع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك، قبل أن تمتد آثارها إلى الاحتياطيات الدولية.

«ستاندرد آند بورز» تبقي التصنيف عند B رغم المخاطر الإقليمية

أبقت الوكالة التصنيف السيادي لمصر عند B/B للالتزامات طويلة وقصيرة الأجل بالعملتين المحلية والأجنبية، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية المستقرة.

ويعكس القرار، وفق تقييم الوكالة، التوازن بين فرص النمو الاقتصادي على المدى المتوسط واستمرار الإصلاحات، وبين المخاطر التي يفرضها الصراع الإقليمي وتقلبات أسواق الطاقة والضغوط على حركة التجارة والملاحة.

وتستفيد مصر من تحسن تدفقات النقد الأجنبي ومرونة سعر الصرف والإجراءات المتعلقة بأسعار الطاقة، إلى جانب الدعم الاجتماعي الموجه، في احتواء التداعيات الفورية للصدمات الخارجية.

لكن استمرار الاضطرابات قد يضغط على موارد النقد الأجنبي، خصوصًا إذا تأخر تعافي الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس أو تجددت موجات خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية.

قناة السويس تستعيد جزءًا من إيراداتها

سجلت إيرادات قناة السويس نحو 3.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026، مقابل 2.8 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام المالي السابق.

ويمثل هذا التحسن تطورًا مهمًا في أحد مصادر النقد الأجنبي، لكنه لا يعني عودة الإيرادات إلى مستويات ما قبل اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال عام 2023.

وتشير سيناريوهات الوكالة إلى أن استمرار التوترات الإقليمية حتى نهاية 2027 قد يبطئ تعافي حركة العبور، لا سيما في حال تصاعد الاضطرابات في مضيق باب المندب.

كما تظل إمدادات الغاز الطبيعي أحد مصادر المخاطر، في ظل تأثر الإمدادات الإقليمية واستمرار اعتماد مصر على استيراد الطاقة، وهو ما قد يرفع فاتورة الواردات ويزيد الضغط على الحساب الخارجي.

عجز الموازنة يتراجع إلى 5.8%.. والفائض الأولي يبلغ 4.9%

على صعيد المالية العامة، سجل عجز الموازنة المصرية 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2025/2026، بينما بلغ الفائض الأولي 4.9% من الناتج، وفق البيانات الواردة في تقرير الوكالة.

ويعكس الفائض الأولي قدرة الحكومة على تحقيق إيرادات تتجاوز المصروفات قبل احتساب فوائد الدين، لكنه لا يعني انتهاء الضغوط على الموازنة، لأن تكلفة الاقتراض لا تزال تستحوذ على جزء كبير من الموارد العامة.

وتشير تقديرات الوكالة إلى أن نسبة فوائد الدين إلى الإيرادات الحكومية بلغت 68% في السنة المالية 2025/2026، مع توقع تراجعها إلى 60% في السنة المالية 2026/2027، ثم 53% في السنة المالية 2027/2028.

ويظل تحقيق هذا المسار مرهونًا باستمرار الانضباط المالي، وتحسن الإيرادات الحكومية، وانخفاض تكلفة التمويل تدريجيًا.

احتياجات التمويل تتجاوز 30% من الناتج المحلي

على الرغم من تحسن المؤشرات المالية، تتوقع الوكالة استمرار الاحتياجات التمويلية الإجمالية للحكومة عند مستويات تتجاوز 30% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتزيد هذه الاحتياجات من حساسية المالية العامة لتحركات أسعار الفائدة، خصوصًا مع اعتماد الحكومة بدرجة كبيرة على أدوات الدين المحلية قصيرة الأجل، التي ترفع مخاطر إعادة التمويل وتُبقي تكلفة خدمة الدين عرضة للتغيرات في أوضاع السوق.

وتتوقع الوكالة تراجع الدين الحكومي إلى نحو 87% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو 2027، لكن الوصول إلى هذا المستوى يظل مرتبطًا بمواصلة تحقيق فوائض أولية وتحسين إدارة الدين وتوفير مصادر تمويل أكثر استدامة.

الطاقة والتضخم يحددان مسار الضغوط المقبلة

يفترض السيناريو الأساسي للوكالة استمرار اضطرابات الشرق الأوسط حتى نهاية 2027، مع بقاء تدفقات النفط والغاز دون مستويات ما قبل الصراع.

وقد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكلفة الواردات والضغط على التضخم، بما يحد من قدرة السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة بالسرعة المطلوبة، ويؤخر تراجع تكلفة الاقتراض الحكومي.

كما أن تجدد اضطرابات الملاحة أو خروج استثمارات المحافظ المالية قد يضغط على موارد النقد الأجنبي، رغم المستوى المرتفع للاحتياطيات.

تحسن الاحتياطيات لا ينهي اختبار الاقتصاد المصري

تظهر مؤشرات سبتمبر أن مصر نجحت في تعزيز احتياطياتها واستعادة جانب من التدفقات الأجنبية إلى أدوات الدين، بالتزامن مع تحسن إيرادات قناة السويس وتراجع عجز الموازنة.

لكن تثبيت التصنيف عند B/B مع نظرة مستقرة لا يعني زوال المخاطر؛ إذ تظل تكلفة خدمة الدين واحتياجات التمويل المرتفعة وحساسية موارد النقد الأجنبي للتطورات الإقليمية عوامل رئيسية في تقييم قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.

وتبقى قدرة مصر على مواصلة ضبط المالية العامة، وجذب تدفقات أكثر استدامة، وتقليص الاعتماد على التمويل قصير الأجل، من العوامل المهمة في تعزيز متانة الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى