ترامب يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.. الحلفاء يقللون اعتمادهم على أمريكا
وسط توترات غرينلاند والتعريفات وارتفاع الذهب 80%

تقود الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب عملية إعادة نظر جذرية في الاقتصاد العالمي، حيث يتعامل الحلفاء والمستثمرون مع واشنطن التي باتت أقل قابلية للتنبؤ. لطالما روّج صناع السياسة الأمريكيون للعولمة على مدى عقود باعتبارها سبيلاً للنمو والاستقرار والسلام.
لكن سياسة “أمريكا أولاً“ غير المعتذرة دفعت الدول إلى السعي لتعزيز قدرتها على الصمود أو التحوط ضد مخاطر الإكراه الاقتصادي من أكبر اقتصاد في العالم.
شملت سياسة ترامب تهديدات بفرض تعريفات جمركية، تقييد سلاسل التوريد، وإجراءات عدوانية لانتزاع تنازلات من الحلفاء. كشفت محاولته الفاشلة للاستحواذ على غرينلاند، وما تلاها من تهديد بفرض تعريفات على الدول الأوروبية، عن مخاطر الاعتماد الاستراتيجي على واشنطن.
رغم التوصل إلى حل مؤقت خفف من حدة الأزمة، تعهد القادة الأوروبيون بعدم الخضوع للضغوط، مما يشير إلى عزمهم على تكثيف جهودهم لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
قال نيل شيرينغ كبير الاقتصاديين في كابيتال إيكونوميكس بلندن: “الأمر يتعلق بالقوة والتبعية والإكراه. تسعى الدول الآن إلى إيجاد سبل لإضعاف اعتمادها الاستراتيجي على الولايات المتحدة”.
وفي ظل النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية – حيث ضمنت البحرية الأمريكية استقرار الممرات البحرية – أصبحت التضحية ببعض كفاءة التجارة العالمية مقابل الأمن أمرًا مقبولاً لدى العديد من الدول.
تشير التكاليف المتزايدة والتحولات السوقية إلى حقبة اقتصادية جديدة: ارتفعت أسعار الذهب بنحو 80% خلال العام الماضي مع سعي المستثمرين نحو ملاذ آمن، كما ارتفعت أسعار النحاس والمعادن الأخرى بشكل كبير مع تطور القدرات المحلية في أشباه الموصلات والصناعات الدوائية.
يواصل الاقتصاد الأمريكي تألقه بفضل الاكتشافات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، لكن إدارة ترامب تؤكد أن سياساتها تعزز التحالفات لا تضعفها، ورفض وزير الخزانة سكوت بيسنت مخاوف تراجع الدولار ووصفها بـ”رواية زائفة”.
مع ذلك، ثمة مخاوف من تداعيات طويلة الأمد: ديون الولايات المتحدة تتجاوز 30 تريليون دولار، مع عجز سنوي واسع،
ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس حاجة الحكومة إلى اقتراض أكثر من 21 تريليون دولار بحلول 2035. أي زيادة طفيفة في أسعار الفائدة سترفع تكاليف الخدمة السنوية إلى مئات المليارات.
قال نائب وزير الخزانة الأمريكي السابق روجر ألتمان: “يُصرّ الرئيس ترامب على التخلي عن حلف شمال الأطلسي والنظام العالمي الذي عرفناه على مدى 80 عامًا، ويريد استبداله بنظام ثلاثي الأقطاب بين بوتين وشي جين بينغ”.
يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً: الدول التي اعتمدت سابقًا على العولمة الأمريكية تبني الآن صمودها المالي والتقني والاستراتيجي في قطاعات أصبحت أكثر استقلالاً عن مركزية الولايات المتحدة.
بينما تبقى الأسواق الأمريكية قوية، من المتوقع أن يشهد النظام العالمي ارتفاعًا في التكاليف، تشتت تدفقات رأس المال، ومزيدًا من عدم اليقين.
ما نشهده هو نظام عالمي جديد يتشكل بفعل تنافس قوى متعددة وزوال احتكار الولايات المتحدة للهيمنة المطلقة.





