بعد تجميد الاحتياطيات الروسية.. البنوك المركزية تعيد حسابات تخزين الذهب

كشفت تقديرات غولدمان ساكس عن تحول استراتيجي متزايد في إدارة احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية، لا يتعلق فقط بزيادة حيازاتها من المعدن النفيس، وإنما أيضًا بإعادة النظر في أماكن تخزينه والجهات المسؤولة عن حفظه، لتقليل مخاطر التجميد السياسي والقانوني والاعتماد على دولة أو نظام قضائي واحد.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتسارع فيه مشتريات البنوك المركزية للذهب، إذ قدرت غولدمان ساكس مشتريات القطاع الرسمي بنحو 57 طنًا خلال يونيو 2026، مقابل متوسط شهري بلغ نحو 17 طنًا قبل عام 2022. وكانت الصين أكبر مشترٍ معروف خلال الشهر، بإضافة 40 طنًا إلى احتياطياتها.
الذهب يتحول من أصل احتياطي إلى أداة للحماية السيادية
وتكشف البيانات أن الذهب لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد أصل تقليدي ضمن الاحتياطيات الرسمية.
فوفق أحدث مسح لمجلس الذهب العالمي، يرى مسؤولو الاحتياطيات أن الذهب يؤدي أدوارًا متعددة، من بينها التحوط من الأزمات، وتنويع المحافظ، ومواجهة التضخم والمخاطر الجيوسياسية.
ويشير المسح إلى أن 89% من البنوك المركزية المشاركة تتوقع ارتفاع حيازات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما تتوقع نسبة قياسية تبلغ 45% زيادة حيازاتها هي نفسها.
لكن اللافت أن التحول لا يتوقف عند قرار شراء الذهب ، مكان الاحتفاظ بالذهب نفسه أصبح جزءًا من استراتيجية إدارة المخاطر.
بنك إنجلترا يتصدر.. لكن الاعتماد عليه يتراجع
لا يزال بنك إنجلترا أكثر مواقع حفظ الذهب استخدامًا بين البنوك المركزية، إذ أظهر مسح مجلس الذهب العالمي أن 57% من البنوك المركزية المشاركة تحتفظ بجزء من ذهبها لدى البنك.
وجاء التخزين المحلي في المرتبة الثانية بنسبة 49%، بينما حل بنك التسويات الدولية في المرتبة التالية بنسبة 16%. كما أظهر المسح زيادة واضحة في اتجاهات تنويع أماكن الحفظ.
وتتمتع لندن بمزايا يصعب تجاهلها، في مقدمتها السيولة العميقة والارتباط المباشر بالبنية التحتية العالمية لتسوية وتداول الذهب.
ويؤكد بنك إنجلترا أن خزائنه تضم نحو 400 ألف سبيكة ذهب، وأن خدمات الحفظ التي يقدمها للبنوك المركزية الأخرى تتيح لها الوصول إلى سيولة سوق الذهب في لندن.
وهنا تظهر المفارقة: المكان الأكثر كفاءة لتداول الذهب ليس بالضرورة المكان الأكثر أمانًا سياسيًا للاحتفاظ به.
تجربة فنزويلا تكشف الوجه الآخر للحفظ الخارجي
الحفظ الخارجي يمنح البنوك المركزية مزايا كبيرة، لكنه يحمل في المقابل مخاطر قانونية وسياسية.
واستشهد غولدمان ساكس بالنزاع الذي نشب عام 2018 بشأن الذهب الفنزويلي الموجود لدى بنك إنجلترا، باعتباره مثالًا على المخاطر التي يمكن أن تواجهها دولة عندما تكون احتياطياتها المادية خاضعة لاختصاص قضائي أجنبي.
وهذه المخاطر اكتسبت وزنًا أكبر بعد تجميد الاحتياطيات الروسية في أعقاب الحرب الأوكرانية عام 2022.
فالدرس الذي استوعبه مديرو الاحتياطيات حول العالم أصبح واضحًا:
الأصل الموجود خارج حدود الدولة قد يكون سهل التداول، لكنه ليس بالضرورة مضمون الوصول إليه في أوقات الأزمات.
البنوك المركزية لا تريد تكرار تجربة روسيا
لهذا السبب يتجه عدد متزايد من البنوك المركزية إلى توزيع الذهب بين أكثر من موقع، بدلًا من الاعتماد على مركز واحد.
ويظهر ذلك بوضوح في مسح مجلس الذهب العالمي؛ فقد قالت 9% من البنوك المركزية المشاركة إنها زادت التخزين المحلي خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، بينما قالت 10% إنها نوّعت مواقع التخزين الخارجية.
وترتفع أهمية هذه الأرقام لأنها تعكس تحولًا في إدارة المخاطر نفسها، وليس مجرد قرار لوجستي بشأن مكان وضع السبائك.
الصين تبحث عن دور جديد في خريطة حفظ الذهب
ولا تقتصر التحركات على إعادة توزيع الذهب بين لندن ونيويورك والخزائن المحلية، فبحسب غولدمان ساكس، تسعى الصين إلى أن تصبح مركزًا بديلًا لحفظ الأصول.
وتحمل هذه الخطوة أهمية استراتيجية، لأنها قد تعني ظهور مركز آسيوي أكثر تأثيرًا في البنية التحتية العالمية لحفظ وتسوية الذهب، بما يقلل الاعتماد على المراكز التقليدية في لندن ونيويورك.
وهنا يتحول الذهب من مجرد سلعة يتم تداولها في الأسواق إلى جزء من البنية التحتية المالية والجيوسياسية.
لماذا لا تعيد البنوك المركزية كل الذهب إلى الداخل؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الحل بسيط: إعادة جميع السبائك إلى الخزائن المحلية.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا ، فالتخزين المحلي يتطلب إنفاقًا على الأمن المادي، والتدقيق، والتأمين، وإدارة الخزائن. كما أن الذهب الموجود داخل الدولة نفسها يمكن أن يتعرض لمخاطر سياسية أو أمنية محلية.
في المقابل، يمنح الحفظ في لندن ونيويورك مزايا تتعلق بالسيولة والوصول إلى الأسواق العالمية.
لذلك لا يبدو أن الاتجاه الحالي هو هروب كامل من الحفظ الخارجي، وإنما انتقال إلى نموذج أكثر توازنًا يقوم على توزيع الاحتياطيات بين عدة ولايات قضائية.
57 طنًا في شهر واحد.. البنوك المركزية تواصل شراء الذهب
وبالتوازي مع إعادة التفكير في أماكن التخزين، تواصل البنوك المركزية شراء الذهب بمعدلات مرتفعة.
وقدرت غولدمان ساكس مشتريات البنوك المركزية في يونيو بنحو 57 طنًا، مقارنة بمتوسط شهري يبلغ 17 طنًا قبل 2022.
وكانت الصين أكبر مشترٍ معروف، بعدما أضافت 40 طنًا خلال الشهر.
كما سجل البنك دخول نحو 32 طنًا من الذهب النقدي إلى لندن، لكنه اعتبر الحركة عملية نقل للأصول وليست بيعًا مخططًا له، خاصة مع ارتفاع حيازات المسؤولين الأجانب لدى بنك إنجلترا بنحو 98 طنًا خلال الشهر.
لماذا يظل الذهب جذابًا رغم ارتفاع سعره؟
تتجاوز جاذبية الذهب بالنسبة للبنوك المركزية مسألة تحقيق مكاسب سعرية.
فالذهب لا يرتبط بمدين سيادي مثل السندات الحكومية، ولا يعتمد على قدرة دولة بعينها على الوفاء بالتزاماتها.
كما أن امتلاكه يساعد البنوك المركزية على تنويع احتياطياتها بعيدًا عن العملات الرئيسية.
ويؤكد مسح مجلس الذهب العالمي أن 74% من المشاركين يتوقعون انخفاض حصة الدولار الأمريكي في الاحتياطيات العالمية بدرجة متوسطة أو كبيرة خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين يتوقعون زيادة أهمية الذهب.
وهذا يعني أن زيادة حيازات الذهب ليست ظاهرة منفصلة عن النقاش الأوسع حول مستقبل هيكل الاحتياطيات العالمية.
غولدمان ساكس يبقي على توقع الذهب عند 4900 دولار
ورغم ارتفاع الذهب إلى مستويات قياسية جديدة، أبقى غولدمان ساكس على توقعاته لسعر المعدن عند 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026.
ويستند البنك في رؤيته إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية، مع توقع متوسط مشتريات يبلغ نحو 50 طنًا شهريًا خلال العام.
وبالتالي، فإن قصة الذهب خلال الفترة المقبلة لن تكون مرتبطة فقط بأسعار الفائدة الأمريكية أو الدولار.
هناك محرك ثالث يتزايد تأثيره: إعادة تشكيل الاحتياطيات السيادية وإدارة مخاطر الأصول الموجودة خارج الحدود.
الذهب يعيد تعريف مفهوم الاحتياطي الآمن
تكشف هذه التطورات عن تحول أعمق في النظام المالي العالمي.
فالبنوك المركزية لا تسأل فقط: كم طنًا من الذهب نمتلك؟
بل بدأت تسأل سؤالًا أكثر حساسية:
أين يوجد الذهب؟ ومن يملك السلطة القانونية للوصول إليه إذا اندلعت أزمة؟
وهذا هو الدرس الأهم الذي خرج به العالم من تجميد الاحتياطيات الروسية.
لندن ونيويورك ستظلان مركزين رئيسيين بفضل السيولة والبنية التحتية المالية، لكن الاتجاه نحو تنويع مواقع الحفظ يبدو مرشحًا للاستمرار لسنوات.
وبذلك يتحول الذهب تدريجيًا من مجرد أصل احتياطي إلى أداة للتحوط من المخاطر السيادية والجيوسياسية والقانونية.
وتشير البيانات إلى أن هذه ليست موجة مؤقتة؛ فمجلس الذهب العالمي يرصد زيادة واضحة في نية البنوك المركزية تغيير ترتيبات الحفظ، بالتزامن مع استمرار الطلب الرسمي على المعدن.









