البنوك الخليجية أمام اختبار الحرب.. هل تصمد أمام صدمات الائتمان؟

دخلت البنوك الخليجية موجة الاضطرابات الجيوسياسية وهي تتمتع بقاعدة مالية قوية، مدعومة بمستويات مرتفعة من رأس المال والسيولة وجودة أصول مستقرة نسبيًا. لكن استمرار التوترات قد ينقل الاختبار من قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد إلى قدرتها على حماية جودة محافظها الائتمانية إذا طال تأثير الحرب قطاعات التجارة والطاقة والنقل والعقارات.
وتكشف أحدث بيانات KPMG أن البنوك الخليجية المدرجة، وعددها 51 بنكًا شملها التحليل، حافظت خلال 2025 على مؤشرات متانة قوية؛ إذ بلغت نسبة القروض المتعثرة 1.6%، بينما تراجعت تكلفة المخصصات الصافية على القروض إلى 3%، مقابل 3.4% في 2024، في حين ارتفعت نسبة كفاية رأس المال إلى 19.3% مقابل 18.9% في العام السابق.
وفي الوقت نفسه، تتوقع S&P Global Ratings نمو الائتمان لدى بنوك دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 5% إلى 6% خلال 2026، مع نمو في نطاق النسب الأحادية المرتفعة لدى بنوك الإمارات والسعودية.
رأس المال قوي.. لكن الحرب تختبر جودة الأصول
حتى الآن، لا تشير المؤشرات إلى أزمة ائتمانية خليجية واسعة. لكن ذلك لا يعني أن البنوك معزولة عن تداعيات الصراع.
فالصدمة الجيوسياسية تصل إلى الميزانيات المصرفية غالبًا عبر العملاء، وليس مباشرة. ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد، وتشدد ظروف التمويل، يمكن أن تضغط على هوامش الشركات وتدفقاتها النقدية، قبل أن تظهر آثارها لاحقًا في معدلات التعثر والمخصصات.
وتبرز قطاعات الطيران والسياحة والتجارة والشحن والصناعة والإنشاءات والعقارات ضمن المجالات الأكثر حساسية لهذه التطورات.
وبحسب S&P، ظل متوسط القروض غير العاملة لدى بنوك دول مجلس التعاون عند 2.6% بنهاية مارس 2026، فيما تتوقع الوكالة ارتفاع متوسط تكلفة المخاطر بنحو 20 نقطة أساس خلال العام.
وهنا تحديدًا يكمن الاختبار الحقيقي: ليس في قدرة البنوك على امتصاص صدمة قصيرة، وإنما في قدرتها على مواصلة الإقراض دون أن تتحول تداعيات الحرب إلى موجة أوسع من تراجع جودة الأصول.
الائتمان مستمر.. لكن سرعة النمو ليست كل شيء
رغم ارتفاع مستوى عدم اليقين، واصلت البنوك الخليجية الوصول إلى أسواق التمويل.
وجمعت بنوك دول مجلس التعاون نحو 3.58 مليار دولار من إصدارات الدين والأسهم، باستثناء الصكوك، خلال الربع الثاني من 2026، مقارنة بنحو 5.53 مليار دولار في الربع الأول.
ويعكس انخفاض الإصدارات الفصلية جزئيًا ارتفاع حالة الحذر في الأسواق، لكنه لا يشير بمفرده إلى انقطاع التمويل عن البنوك.
وفي المقابل، فإن استمرار نمو الائتمان يحتاج إلى قراءة أكثر دقة؛ فزيادة حجم القروض تظل إيجابية فقط إذا صاحَبها الحفاظ على جودة المحفظة وقدرة المقترضين على السداد.
العقارات.. نقطة مراقبة رئيسية
تزداد أهمية القطاع العقاري في اختبار قدرة البنوك الخليجية على تحمل الصدمات، نظرًا إلى الوزن الكبير للعقارات والإنشاءات داخل محافظ الائتمان في عدد من الأسواق.
وتبلغ حصة العقارات والإنشاءات من إجمالي الائتمان نحو 31% في قطر، و25% في الكويت، و16% في السعودية، و12% في البحرين، و13% في الإمارات.
وتعني هذه النسب أن أي تباطؤ حاد وطويل في النشاط العقاري قد ينعكس على الشركات والأفراد المرتبطين بالقطاع، وبالتالي على محافظ البنوك.
لذلك، سيكون تطور أسعار العقارات وحجم المعاملات ومعدلات الإشغال، إلى جانب قدرة الشركات والأفراد على خدمة الديون، من أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة.
الإمارات.. نمو قوي مع أدوات دفاع إضافية
دخل القطاع المصرفي الإماراتي مرحلة الاضطرابات من موقع قوي، إذ تراجعت نسبة القروض المتعثرة إلى 2.8% بنهاية الربع الثاني من 2026، مقابل 3.2% في الربع الأول.
وفي الوقت نفسه، ارتفع الائتمان المصرفي 18.1% على أساس سنوي إلى نحو 2.76 تريليون درهم بنهاية الربع الثاني، بينما زادت الودائع 14% إلى نحو 3.47 تريليون درهم، وارتفعت الأصول 12.5% إلى نحو 5.59 تريليون درهم.
كما بلغ إجمالي رأس المال والاحتياطيات لدى البنوك نحو 611.3 مليار درهم، فيما وصلت نسبة كفاية رأس المال إلى 17%، لتظل أعلى من الحد الأدنى التنظيمي البالغ 13%.
وتحرك مصرف الإمارات المركزي مبكرًا لتعزيز مرونة القطاع، عبر إتاحة الوصول إلى جزء من الاحتياطيات وتوفير تسهيلات للسيولة بالدرهم والدولار، إلى جانب تخفيف مؤقت لبعض متطلبات رأس المال.
وأسهمت هذه الإجراءات في تأجيل سداد أقساط قروض بقيمة 13.5 مليار درهم لنحو 135 ألف عميل حتى 30 يوليو 2026، منها 9.1 مليار درهم للشركات و2 مليار درهم للأفراد و2.4 مليار درهم للشركات الصغيرة والمتوسطة.
لكن صندوق النقد الدولي أشار إلى أن البنوك الإماراتية لا تزال تتمتع برأس مال قوي وسيولة وفيرة، مع توقع تباطؤ نمو ائتمان القطاع الخاص في ظل ضعف النشاط غير النفطي.
كما أشار الصندوق إلى تباطؤ النشاط العقاري خلال النصف الأول من العام، وهو ما يجعل تعرض البنوك للعقارات أحد الملفات التي تستحق المتابعة.
السعودية.. رأس المال يمنح البنوك مساحة للمناورة
يتمتع القطاع المصرفي السعودي أيضًا بمستويات قوية من رأس المال والسيولة، وفق تقييم صندوق النقد الدولي، بما يدعم قدرة البنوك على مواصلة تمويل الاقتصاد وامتصاص الصدمات.
وفي إطار تعزيز التحوط، رفع البنك المركزي السعودي في مايو 2026 نسبة احتياطي رأس المال لمواجهة التقلبات الدورية من صفر إلى 1% من الأصول المرجحة بالمخاطر، على أن يبدأ تطبيق القرار اعتبارًا من 25 مايو.
وتظهر بيانات البنك المركزي السعودي أن أصول المصارف التجارية بلغت نحو 5.16 تريليون ريال في يونيو 2026، مقابل 4.96 تريليون ريال بنهاية 2025.
وبلغت الودائع نحو 3.13 تريليون ريال، بينما وصل الائتمان المصرفي إلى نحو 3.42 تريليون ريال.
وعلى صعيد جودة الأصول، بلغت نسبة القروض المتعثرة إلى إجمالي القروض 1.1% في الربع الأول من 2026، فيما وصل معدل كفاية رأس المال إلى 20.9%.
وتمنح هذه المستويات البنوك السعودية هامشًا قويًا لامتصاص الخسائر المحتملة، لكن ارتفاع التعرض العقاري يظل عاملًا مهمًا في تقييم المخاطر.
فقد بلغ إجمالي القروض العقارية نحو 967.9 مليار ريال في الربع الأول من 2026، منها 740.5 مليار ريال للأفراد و227.4 مليار ريال للشركات.
الكويت.. الائتمان لم يتراجع رغم التوترات
في الكويت، لم تظهر حتى يونيو 2026 مؤشرات على انكماش الائتمان المصرفي رغم ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
ووفق النشرة الإحصائية النقدية الشهرية لبنك الكويت المركزي، بلغ الائتمان المصرفي المستخدم نحو 54.75 مليار دينار كويتي في يونيو، مقابل 51.69 مليار دينار في الشهر نفسه من 2025، بزيادة سنوية تقارب 5.9%.
وكان قطاع الأعمال المحرك الرئيسي للنمو، بعدما ارتفعت تسهيلاته بنحو 7.1% إلى 34.41 مليار دينار.
كما ارتفعت أصول القطاع المصرفي بنحو 7.2% إلى 104.31 مليار دينار، بينما صعد إجمالي الودائع إلى 56.16 مليار دينار بزيادة سنوية بلغت 9.4%.
واتخذ بنك الكويت المركزي في مارس مجموعة من الإجراءات لتعزيز مرونة القطاع، شملت تخفيف بعض متطلبات السيولة وإتاحة مساحة أكبر للتمويل والإفراج عن جزء من المصدات الرأسمالية الاحترازية.
وبالتالي، تبدو الصورة الكويتية حتى الآن أقرب إلى استمرار النشاط الائتماني مع ارتفاع الحذر، وليس إلى أزمة ائتمان.
قطر.. نمو الائتمان يحافظ على مرونة البنوك
واصل القطاع المصرفي القطري نموه خلال 2026، إذ بلغت أصول البنوك التجارية نحو 2.2 تريليون ريال قطري بنهاية يونيو، بينما ارتفع إجمالي التسهيلات الائتمانية إلى نحو 1.47 تريليون ريال، بنمو سنوي قدره 5.9%.
وشملت أبرز مكونات الائتمان نحو 426 مليار ريال للخدمات، و265.4 مليار ريال للعقارات، و228 مليار ريال للتجارة، إلى جانب نحو 189.8 مليار ريال للقروض الاستهلاكية.
وفي المقابل، ارتفعت ودائع العملاء بنحو 5% على أساس سنوي إلى نحو 1.11 تريليون ريال.
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار استقرار قاعدة التمويل، لكن الوزن المرتفع للعقارات والتعرض المحتمل لمصادر التمويل الخارجية يظلان من أبرز الملفات التي تحتاج إلى مراقبة مع استمرار حالة عدم اليقين.
البحرين.. رأس المال يظل خط الدفاع الأول
وفي البحرين، أظهرت مؤشرات السلامة المالية استمرار قوة القطاع المصرفي.
وبلغت نسبة كفاية رأس المال نحو 20.8% في الربع الأول من 2026، بينما سجلت القروض المتعثرة نحو 2.6% وفق بيانات مصرف البحرين المركزي.
كما ارتفع إجمالي القروض والتسهيلات المصرفية إلى نحو 13.5 مليار دينار بحريني في يونيو 2026، بزيادة تقارب 8.5% على أساس سنوي.
وتوفر مستويات رأس المال المرتفعة للبنوك البحرينية مساحة مناسبة لامتصاص الصدمات، لكن استمرار الاضطرابات قد يرفع أهمية مراقبة القطاعات الأكثر تعرضًا لتكاليف الطاقة والتجارة والنقل والعقارات.
الاختبار الحقيقي يبدأ إذا طال أمد الحرب
تدخل البنوك الخليجية هذه المرحلة من موقع أفضل بكثير مما كانت عليه في أزمات سابقة من حيث رأس المال والسيولة وجودة الأصول.
لكن هذه القوة لا تعني أن المخاطر انتهت، فالسيناريو الأكثر أهمية بالنسبة للبنوك ليس بالضرورة صدمة حادة ومؤقتة، وإنما تحول التوترات الجيوسياسية إلى ضغط اقتصادي طويل يرفع تكاليف التشغيل ويضعف أرباح الشركات ويؤثر على الطلب العقاري والاستهلاكي.
ولهذا تدعو KPMG البنوك إلى اختبار محافظها الائتمانية أمام سيناريوهات متعددة، وتحديث تقديرات الخسائر المحتملة، بدل الاعتماد على البيانات التاريخية وحدها.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن مؤشرات المتابعة الأهم خلال الفترة المقبلة لن تقتصر على نمو الأرباح أو الائتمان، بل ستشمل القروض المتعثرة، وتكلفة المخاطر، والمخصصات، ونمو الودائع، والتعرض للعقارات والإنشاءات، وقدرة الشركات والأفراد على خدمة الديون.
وحتى الآن، لا تزال الصورة العامة تشير إلى قطاع مصرفي خليجي يتمتع بقدرة جيدة على امتصاص الصدمات. لكن كلما طال أمد الاضطرابات، انتقل السؤال من «هل تستطيع البنوك تحمل الصدمة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «إلى أي مدى تستطيع الحفاظ على جودة أصولها وهي تواصل تمويل الاقتصاد؟»









