إنذار مجموعة السبع: بيتكوين وإيثيريوم أمام سباق مكلف للتحصين ضد الحواسيب الكمومية

دق فريق العمل المعني بالأمن السيبراني التابع لمجموعة السبع ناقوس الخطر بشأن التهديد الذي تمثله الحوسبة الكمومية على أنظمة التشفير الحالية، داعيًا الحكومات والمؤسسات إلى البدء فورًا في الانتقال إلى تقنيات التشفير ما بعد الكم، في تحذير يحمل تداعيات مباشرة على العملات المشفرة والبورصات الرقمية والجهات الحافظة للأصول التي تعتمد على تقنيات تشفير بالمفتاح العام لحماية المعاملات والأموال.

وأصدرت مجموعة السبع في 3 سبتمبر 2026 وثيقة بعنوان «الاستعداد لعصر ما بعد الكم: دعوة إلى العمل»، أكدت فيها أن التطورات الحديثة في الحوسبة الكمومية تستدعي الاستعداد مسبقًا لاحتمال ظهور حواسيب قادرة على كسر آليات التشفير بالمفتاح العام المستخدمة على نطاق واسع.

لماذا أصبحت العملات المشفرة في دائرة الخطر؟

رغم أن وثيقة مجموعة السبع لا تذكر العملات المشفرة بصورة مباشرة، فإن التحذير يمس قطاع الأصول الرقمية بصورة واضحة؛ لأن عددًا من شبكات البلوك تشين يعتمد على خوارزميات تشفير بالمفتاح العام لحماية التوقيعات وإثبات ملكية الأصول.

وتزداد أهمية التحذير بالنسبة إلى العملات المشفرة؛ لأن بعض البيانات والمفاتيح العامة والمعاملات تظل مسجلة على الشبكات لفترات طويلة، ما يثير مخاوف من سيناريو يعرف في الأمن السيبراني باسم «اجمع الآن وفك التشفير لاحقًا».

وتعني الفكرة أن المهاجم قد يجمع بيانات مشفرة اليوم، ثم يحتفظ بها إلى أن تصبح الحوسبة الكمومية قادرة على فك الحماية المستخدمة لحظة جمعها.

ومن هنا، لا يرتبط الخطر فقط بموعد امتلاك حاسوب كمومي قادر على تنفيذ هجوم واسع، وإنما بضرورة البدء قبل ذلك بسنوات في إعادة تصميم البنية التشفيرية للأنظمة المالية والرقمية.

مجموعة السبع: لا تنتظروا ظهور الحاسوب الكمومي

ترى مجموعة السبع أن الانتقال إلى التشفير ما بعد الكم يجب أن يبدأ قبل ظهور تهديد كمومي عملي على نطاق واسع.

وتشمل الدعوة زيادة الوعي، وتطوير السياسات الوطنية، ودعم البحث العلمي، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب إدخال متطلبات مرتبطة بالتشفير ما بعد الكم في عمليات الشراء والتعاقدات التقنية.

وهذا يعني أن القضية تتحول تدريجيًا من ملف بحثي متخصص إلى ملف يتعلق بإدارة المخاطر والامتثال والأمن الرقمي واستمرارية الأعمال.

أوروبا بدأت بالفعل وضع مواعيد للانتقال

ولم تنتظر أوروبا وصول التهديد إلى مرحلة عملية، إذ وضعت المفوضية الأوروبية خارطة طريق للانتقال المنسق إلى التشفير ما بعد الكم.

كما يؤكد المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا أن المؤسسات يجب أن تبدأ الانتقال إلى المعايير الجديدة، مع اتجاه الولايات المتحدة إلى التخلص التدريجي من الخوارزميات المعرضة للخطر الكمومي وفق الجدول الزمني المحدد في خطة الانتقال.

وتوضح وثيقة المعهد أن بعض خوارزميات التوقيع الرقمي المعرضة للخطر، ومنها خوارزميات المنحنيات الإهليلجية، تواجه قيودًا متزايدة ضمن مسار الانتقال إلى البدائل المقاومة للحوسبة الكمومية.

وبذلك، يصبح استعداد المؤسسات للتشفير الجديد جزءًا من إدارة المخاطر التقنية، وليس مجرد تحديث اختياري للبرمجيات.

بيتكوين تبحث عن تحصين شبكتها

تواجه بيتكوين المشكلة من زاوية مختلفة؛ إذ يبحث مجتمع تطويرها في مقترحات لتقليل تعرض الشبكة للهجمات الكمومية طويلة الأجل.

ومن أبرز هذه المقترحات «بي آي بي-360»، الذي يستهدف تقليل بعض جوانب التعرض للهجمات الكمومية المرتبطة بمسارات الإنفاق في نظام «تاب روت».

لكن المقترح لا يمثل حتى الآن حلًا نهائيًا لجميع المخاطر، كما أن انتقال الشبكة إلى توقيعات ما بعد الكم سيظل يتطلب توافقًا واسعًا بين المطورين والمستخدمين ومشغلي البنية التحتية.

وهنا تكمن إحدى أصعب مشكلات العملات المشفرة: التكنولوجيا لا يمكن تحديثها بمعزل عن الحوكمة.

فأي تغيير جوهري في قواعد التوقيع أو طريقة إنفاق العملات يتطلب توافقًا داخل المجتمع التقني، وقد يثير نقاشات حول التوقيت، والتوافق، وتكلفة الانتقال، وحماية المحافظ القديمة.

إيثيريوم أمام مهمة أكثر تعقيدًا

أما إيثيريوم، فتتعامل مع التهديد باعتباره ملفًا أوسع من مجرد تغيير توقيعات معاملات المستخدمين.

وتوضح خارطة الطريق الرسمية لإيثيريوم أن أربعة مجالات رئيسية تحتاج إلى تطويرات مقاومة للحوسبة الكمومية، تشمل توقيعات المدققين في طبقة الإجماع، والتزامات «كيه زد جي»، وتوقيعات حسابات المستخدمين، وأنظمة إثبات المعرفة الصفرية المستخدمة في التطبيقات وطبقات التوسع.

وتستهدف خارطة «إيثيريوم» تطوير بنية تحتية أساسية مقاومة للحوسبة الكمومية بحلول نحو عام 2029، مع التأكيد أن هذه المواعيد تمثل أهدافًا تخطيطية قابلة للتغيير وليست التزامات نهائية.

كما شكلت مؤسسة إيثيريوم فريقًا متخصصًا في الأمن ما بعد الكم في يناير 2026، وبدأت بالفعل اختبارات توافق بين فرق تطوير متعددة.

جوجل تخفض تقديرات تكلفة اختراق التشفير

وزادت المخاوف بعد دراسة نشرتها جوجل كوانتوم إيه آي في مارس 2026 حول قابلية اختراق تشفير المنحنى الإهليلجي المستخدم في العملات المشفرة.

وخلصت الدراسة إلى أن كسر مشكلة اللوغاريتم المتقطع على منحنى «سيك بي 256 كيه 1» قد يتطلب نحو 1200 كيوبت منطقي مع ما يصل إلى 90 مليون بوابة «توفولي»، أو نحو 1450 كيوبت منطقي في مسار بديل.

ولا يعني ذلك أن بيتكوين أو إيثيريوم معرضتان للسرقة غدًا.

بل تؤكد إيثيريوم رسميًا أنه لا يوجد حاسوب كمومي حالي قادر على كسر تشفير الشبكة، وأن الفجوة بين قدرات الأجهزة الحالية والمتطلبات اللازمة لتنفيذ الهجوم لا تزال كبيرة.

لكن المشكلة أن ترقية البنية التشفيرية لشبكة مالية عالمية قد تستغرق سنوات، ولذلك لا يمكن انتظار لحظة ظهور الحاسوب القادر على تنفيذ الهجوم.

فاتورة الانتقال قد تكون ضخمة

ولا تتعلق تكلفة الانتقال إلى التشفير ما بعد الكم بشراء أجهزة جديدة فقط.

فالمؤسسات المالية وشركات العملات المشفرة ستحتاج إلى مراجعة أنظمة المصادقة، وإدارة المفاتيح، والمحافظ، وخدمات الحفظ، والبورصات، والبنية التحتية السحابية، والبرمجيات، والأنظمة المتصلة بالشبكات.

كما أن بعض خوارزميات التوقيع ما بعد الكم تنتج توقيعات أكبر بكثير من التوقيعات التقليدية.

وهذا قد يرفع احتياجات التخزين وعرض النطاق الترددي، ويزيد أحجام البيانات التي تحتاج الشبكات إلى معالجتها، وهو ما قد يتحول إلى تكلفة اقتصادية مباشرة على بعض شبكات البلوك تشين.

وتأتي هذه المشكلة في وقت تسعى فيه الصناعة أصلًا إلى خفض تكاليف المعاملات وتحسين سرعة الشبكات، ما يجعل التحول إلى خوارزميات أكبر حجمًا تحديًا هندسيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه.

الخطر الحقيقي ليس الحاسوب الكمومي وحده

قد يكون من الخطأ اختصار القصة في سؤال واحد: متى يظهر أول حاسوب كمومي قادر على اختراق بيتكوين؟

المشكلة الأعمق هي أن عملية الانتقال نفسها تحمل مخاطر.

فترقية بروتوكول عالمي قد تؤدي إلى أخطاء برمجية، أو انقسامات داخل المجتمعات، أو مشكلات توافق بين المحافظ والبورصات، أو فقدان بعض المستخدمين إمكانية الوصول إلى أصولهم إذا لم تتم عملية الانتقال بصورة صحيحة.

كما أن المحافظ القديمة أو الأصول المرتبطة بمفاتيح مكشوفة قد تصبح نقطة ضعف إذا ظهرت قدرات كمومية عملية في المستقبل.

ولهذا السبب تدفع مجموعة السبع باتجاه التحرك المبكر، بينما تؤكد «إن تي إس» أن المؤسسات مطالبة بتحديد الأنظمة التي تستخدم خوارزميات معرضة للخطر، ووضع خطط لاستبدالها أو تحديثها.

معركة جديدة على أمن الأصول الرقمية

وتشير التطورات الحالية إلى أن المنافسة المقبلة في قطاع العملات المشفرة لن تكون حول سرعة المعاملات أو الرسوم أو التطبيقات اللامركزية فقط.

بل ستشمل قدرة الشبكات على إثبات أنها قادرة على حماية الأصول في عصر ما بعد الحوسبة الكمومية.

وتؤكد إيثيريوم أن انتقالها يتطلب تطوير توقيعات جديدة للمدققين، وحلولًا للتوقيعات الحسابية، وتحديث أنظمة الالتزامات وإثباتات المعرفة الصفرية.

وفي المقابل، تعمل بيتكوين على مقترحات تهدف إلى تقليل سطح الهجوم، بينما توفر معايير المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا أساسًا مشتركًا للصناعة للتحول إلى خوارزميات مقاومة للحوسبة الكمومية.

ماذا يعني تحذير مجموعة السبع للأسواق؟

الأثر الأهم للتحذير قد يظهر في قطاع المؤسسات المالية قبل أن يظهر في أسعار العملات المشفرة.

فالبورصات والجهات الحافظة ومديرو الأصول الرقمية قد يضطرون إلى إضافة «الجاهزية الكمومية» إلى معايير إدارة المخاطر والعناية الواجبة، بينما يمكن أن تصبح قدرة شبكة بلوك تشين على تنفيذ خطة انتقال واضحة عاملًا مؤثرًا في ثقة المستثمرين والمؤسسات.

وهنا تتحول مقاومة الحوسبة الكمومية من ملف تقني إلى ميزة تنافسية مالية.

فالشبكة التي تملك خطة واضحة لترقية التوقيعات وحماية المحافظ والأصول قد تكون أكثر جاذبية للمؤسسات من شبكة تؤجل المشكلة إلى المستقبل.

واللافت أن المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا أعلن أن ثلاثة معايير رئيسية للتشفير ما بعد الكم أصبحت جاهزة للتطبيق، هي «إم إل-كيه إي إم» لتبادل المفاتيح، و«إم إل-دي إس إيه» للتوقيعات الرقمية، و«إس إل إتش-دي إس إيه» للتوقيعات الرقمية المعتمدة على التجزئة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى